لقد تعوّدنا من الإعلام الغربي أنه عندما يعجز عن الحصول على أخبار أرامكو من مصادرها الرسمية الموثوقة يبدأ يخترع أخباره (بالأحرى إشاعاته) بنفسه. وهذا بالتأكيد إن دل فهو يدل على أهمية أرامكو وتأثيرها القوي على الاقتصاد العالمي التي لا يجاريها في المستوى والمكانة المؤثرة أي شركة من شركات البترول الأخرى في العالم.

غالباً يكون الخبر (أو الإشاعة) لجس النبض واستدراج أرامكو للإفصاح عن معلومة لم يستطع الإعلام الغربي الحصول عليها من أرامكو مباشرة، فينفيه عادة المسؤولون في أرامكو إذا رأوا أن الخبر يستحق النفي لتأثيره على سُمعة أرامكو ومصداقيتها.

أحد هذه الإشاعات هو الخبر الذي نشرته رويترز بتاريخ 22 أغسطس (قبل عشرين يوماً) فقالت: إن المملكة تراجعت كلياً عن اكتتاب أرامكو دولياً ومحلياً، ولكن سرعان ما نفى الخبر معالي المهندس خالد الفالح. كما نقلته وكالة الأنباء السعودية بتاريخ 23 أغسطس (أي بعد ساعات من صدور الإشاعة) فأكّد معاليه أن أرامكو مازالت مُلتزمة (committed) بعملية الاكتتاب وتنتظر فقط الوقت المناسب للبدء في التنفيذ.

ولكن أحياناً تكون الإشاعة صغيرة فيتجاهلها المسؤولون في أرامكو. على سبيل المثال الخبر الذي نشرته صحيفة فايننشال تايمز بتاريخ 27 أغسطس (قبل أسبوعين) أن المملكة خفضت مدة الامتياز الممنوحة لأرامكو إلى 40 سنة بعد أن كان الامتياز مدى العمر.

لقد حاولتُ أن أبحث عن أي تعليق أو معلومة عن تخفيض مدة امتياز أرامكو في الصحافة المحلية لكن - على حد معلوماتي - لم أر ذكراً لهذا الخبر (أو الإشاعة).

سيقتصر بقية هذا المقال على نقطة واحدة نسبتها صحيفة فايننشال إلى أستاذ في جامعة تكساس أنه علق على تخفيض مدة الامتياز قائلاً: بالنسبة لشركات البترول فعادة كلما كانت مدة الامتياز أقصر كلما كان يجب على الشركة أن تنتج المورد بشكل أسرع.

في نظري أن ما قاله الأستاذ الجامعي صحيح بالنسبة للشركات الخاصة، لكنه لا ينطبق على أرامكو لأن أرامكو شركة تملكها حكومة المملكة ملكية كاملة، ولن تؤثر مدة الامتياز على سياسة الحكومة الإنتاجية التي تقررها الحكومة وحدها وفق مصالحها العامة.

الحقيقة أن الذي قاله الأستاذ الجامعي في جامعة تكساس الآن لصحيفة فايننشال أن تقصير مدة الامتياز يؤدي إلى الإسراع بالإنتاج (الاستنزاف) للمورد ليس جديداً، بل هو موضوع رسالة الدكتوراه لمعالي الدكتور علي الجهني الصادرة في العام 1978 من جامعة سانتا باربرا. لقد كان الدكتور الجهني أول اقتصادي قال و(أثبت) أن منظمة أوبك ليست مُحتكرة (كارتل)، وإنما سبب ارتفاع أسعار البترول في منتصف السبعينات هو بسبب ترشيد الإنتاح بانتقال حقوق الامتياز من الشركات الخاصة إلى الشركات الوطنية للدول المالكة للبترول.