حين يجهل الإنسان ذاته يكون عرضة للتشتت الفكري، ويكون ضعيف الإرادة أمام أي محرض يحرضه على فعل الشر. إذ على كل إنسان أن يبادر للبحث عن ذاته وإبداعاته كي لا يكون لقمةً سهلة أمام أي مد أو تيار مخالف للسنن الكونية.

ففي عصرنا اليوم ينساق الشاب عبر وسائل الاتصال الإلكتروني لأي فكر مضلل يضله عن مبدأ إنسانيته ودينه ووطنه. فحين يولد الإنسان إلى الدنيا أو الوجود الحاضر يكون وجوده مجرداً من كل المبادئ الإنسانية أو السلوك الأخلاقي، فتتلقفه أسرته أولاً بتعليمه مبادئ الأخلاق، ثم يتحول إلى كائن فعال في مجتمعه وفي مدرسته «لأن في اعتقادي أن الإنسان حين ينضم إلى الصفوف الدراسية أراه مسؤولاً عن نفسه وعن مدرسته التي ينتمي إليها بالمحافظة على الممتلكات التي حوله من كتب ومرافق مدرسية.. إلخ».

وبما أن هذا الأمر سيأخذنا إلى الكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر إذاً أنا موجود». وهي متطورة من المفهوم السابق «الدوبيتو» «أنا أشك إذاً أنا موجود». إذ أرجح العمل مع الأولى؛ لكونها بدأت ثم تطورت مع رينيه ديكارت. فالتفكير بوجودك كإنسان يتيح لك الفرصة للبحث عن ذاتك وماهيتها في المجتمع. فسيدرك هذا الطالب أنه عنصر فعال في موطنه، وحين يتعلم تعليماً كاملاً يَعرض خدماته للمجتمع، ويكون بذلك عضواً كامل العضوية ليس في وطنه وحسب وإنما في كل الميادين الإنسانية، كالطبيب مثلاً أو المدرس وغيرها من مهن تساعد المجتمعات على تطورها.

فحين تتراجع المجتمعات أخلاقياً ندرك أنها فقدت العلم والتفكير، وأصبحت ترفع مبدأ الإشباع الجسدي والمادي دون الإشباع المعنوي، وبهذا فقدت أهم قيمها الإنسانية. فالأخلاق لا تتكون ولا تتبلور إلا بالتفكير والمنطق السليم.

فالأسرة مسؤولة عن الإشباع الأخلاقي، والمدرسة مسؤولة عن تعليمه الأولي، والمسجد مسؤول عن إشباعه الروحي والنفسي. وهذه المكونات لو طبقت بحذافيرها سيكون هذا الإنسان كامل الشعور بالمسؤولية، حينها نضمن عدم تعرضه لأي محرض لا من بعيد ولا من قريب. فوسائل الاتصال الإلكترونية عالم افتراضي وليس حقيقياً. فعندما نسمع عن فرد انضم للتنظيمات المشبوهة ندرك أنه لم يتلق أخلاقاً سوية ولا تعليماً جيداً ولا إشباعاً روحياً. فالأسرة هي الموجه الأول وهي نواة المجتمع؛ فعليها تهيئة الفرد تهيئة سليمة ينطلق من خلاها نحو التفكير السليم، وهذا أول حصن له، فإذا تصدع تكون المدرسة الحصن الثاني له، وإذا أُهمل من قبل إدارة المدرسة حينها يكون المسجد الحصن الأخير، وإذا لم يتفاعل مع المكون الأخير فستكون أخلاقه معدومة.

إذا وجد الفرد نفسه حائرة عليه أن يجيد أدوات التفكير، ويعلم نفسه بنفسه، ويفكر ألف تفكير أمام أي تيار ملوث أو محرض، فالعقل هو بداية التفكير نحو الطريق السليم، وهذا ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات.