فشل المشروع الإيراني في العراق يتصاعد ميدانياً في البصرة، وسياسياً في تحديد النسبة الأكبر في البرلمان المقبل، وذلك بعد أن أظهر تحالف الصدر والعبادي والحكيم وآخرون تقدماً نسبياً أمام هادي العامري ونوري المالكي والأكراد المنقسمين، حيث يبدو أن إيران في طريقها للاستسلام الذي لن يكون سهلاً، ولكنه واقع بعد أن تجرأ الصدر على طهران، وتبعه العبادي بتصريحه الشهير: «لن نجازف بمصالح شعبنا إرضاء لإيران أو غير إيران»، وهو ما اعتبره الملالي انقلاباً عليهم، وصفعة على وجوههم.

ما يحدث في البصرة تحول من موقف شعبي يطالب بتحسين الخدمات إلى سياسي بعد أن وصلت نيران المظاهرات إلى مقار الأحزاب السياسية، وهي رسالة لم تصل بعد إلى منتهاها وغايتها، حيث لا يزال هناك حسابات بالغة التعقيد بين قوى تريد أن تستثمر الأحداث لصالحها أكثر من احتوائها، وقوى حكومية أخرى تريد التهدئة على حساب حسم العملية السياسية قبل أن تختلط الأوراق التي لا تزال الفرصة ممكنة لفرزها وإعادتها إلى مقر البرلمان للتصويت على اختيار رئيس الحكومة.

إيران أيضاً تريد أن تستثمر ما يجري في العراق لصالحها سياسياً وشعبياً، من خلال إلحاق الضرر بالعملية الانتخابية التي جرت في غير توقعاتها، وإظهار التباين السياسي بين القوى المتأرجحة في مواقفها مثل الأكراد، أو تلك التي لا تزال غارقة في حساب مقاعد البرلمان المقبل ممثلة في كتل الصدر والعبادي والحكيم وعلاوي، مقابل أن تمنح الفرصة مجدداً لتيارها العامري والمالكي للصعود مجدداً في سلم الترشيح.

أكثر ما يصعب تحليله في أزمة البصرة حجم التنازلات التي ستسفر عنها؛ فلا الحكومة الحالية لديها استعداد ولا القوى المعارضة كذلك، والكل ينتظر جلسة البرلمان التي دعا إليها الصدر غداً، وربما تكون الفرصة الأخيرة -في حال الانعقاد- لإنقاذ العملية السياسية في العراق وليس الخدمات المتردية في البصرة فقط، وهو ما يعني الإمساك بنتائج الانتخابات كحل ينتهي إلى تشكيل حكومة تنظر في الأزمات الشعبية الداخلية، ولكن إيران تريد العكس من أن تكون الأزمة الشعبية سبباً في انتكاسة العملية الانتخابية، وتغيير بعض المواقف السياسية للكتل في الوقت بدل الضائع.

أميركا تراقب الموقف في العراق، ولديها أجنداتها الخاصة بتحجيم الدور الإيراني هناك، ومنعه من إحداث فوضى جديدة على حساب العملية الانتخابية التي لن تكون لصالح إيران هذه المرة، وبالتالي نحن أمام تغيّر سياسي مهم في مستقبل العراق؛ يمكن تلخيصه ببقاء العراق عربياً موحداً مستقلاً يحتضن جميع مكوناته وطوائفه تحت رايته الخضراء أرضاً وإنساناً، وهو الذي سيتحقق بعزيمة وكرامة العراقيين الذين رفضوا طائفية إيران، وتمسكوا بوطنهم العربي.