كنا يوماً في زيارة فنية لتقييم أداء إحدى الشركات الخدمية، فاجتمعنا مع المديرين التنفيذيين في قمرة القيادة، واستمعنا واستمتعنا بعرضهم مجموعة من البرامج التطويرية والإجراءات التحسينية التي قفزت الشركة لتنفيذها بهدف التميز والريادة في مجالها، وإضافة قيمة للمستفيدين، وعندما قمنا بجولة ميدانية على الموظفين فاجأنا الرد الموحد لأكثر من 90 % منهم بعبارة «هذه المرة الأولى التي نسمع فيها عن تلك البرامج» أيعقل ذلك؟! فإذا بجهودهم «هباءاً منثوراً».

تعزو بعض الدراسات فشل المبادرات التطويرية إلى أسباب عدة منها ضعف وغياب منهجية التسويق في تلك المؤسسات، والتي تعد محركاً محورياً في تحديد المسار الاستراتيجي لبرنامج العمل وماهية الخدمات والمنتجات التي تتوافق مع الاحتياجات الفعلية، الأمر الذي يلقي بانعكاساته السلبية في إحداث الهوة بينها وبين المعنيين من موظفين ومستفيدين ومجتمع. ولو عمقنا التأمل في ممارسات التسويق لمشروعات التحسين لدى العديد من المنظمات نجدها إما ضلت طريقها بين الإدارات أو رست على كاهل إدارة الإعلام مما يحد من وصول رسالتها الدقيقة والانتشار بين شرائح المتعاملين وفئاتهم المختلفة، وبالتالي يقلص فرص تحقق الأهداف والانتماء والتبني لهذه المشروعات.

وفي ظل التوجهات الاستراتيجية الوطنية التي تبلورت في حزمة المبادرات الطموحة، والرامية لإحداث النقلة في أداء القطاعات بما يواكب تطلعات المواطنين والمقيمين، ويثب بموقع المملكة على المؤشرات العالمية، أرى أهمية إنشاء وحدة إدارية في هيكل المؤسسات الحكومية بمسمى «إدارة التسويق». إذ إن وظائف تلك الإدارة تتجاوز قالب «الإعلام» عن المنتجات والخدمات إلى جملةٍ من المهام الجوهرية كخلق الرفاهية وتحقيق الرضا للمجتمع والارتقاء بجودة الحياة فيه نظراً لدورها في مواكبة الاحتياجات والتطلعات للمستفيدين، والتي تتأثر بالمتغيرات المحلية والعالمية والتقنية، والتوجيه للتناغم معها وتلبيتها، وهو ما يدفع بعجلة نمو وتطور تلك المنظمات ويسهم في رفع قدرتها المؤسسية والتنافسية.

ولكي تحقق إدارة التسويق في القطاع الحكومي النجاح في تقديم حلول تسويقية تتواءم مع المهمة الرئيسة لها لابد من وجهة نظري أن تركز على سبعة محكات أطلق عليها 7Ps. الأول هو الناس People وأعني بذلك تصنيف جميع شرائح المتعاملين بالجنس والعمر والقدرة المالية والصحية ونحو ذلك، ليأتي بعدها ثانياً تحديد الأولويات Priorities التطويرية والتطلعات الواجب ترجمتها، ثالثاً إلى مشروعات Projects تحسين تلامس الاحتياجات الفعلية لهم. ولضمان تبني الموظفين والمستفيدين والحلفاء لها يتعين رابعاً تحديد أدوارهم للمشاركة Participation فيها، وكذلك خامساً الشركاء Partners في التسويق كالإعلام ومؤسسات التعليم على سبيل المثال، ثم اختيار المكان Place المناسب للتسويق كالمجمعات التجارية والتجمعات العلمية، وأخيراً أسلوب العرض Promotion والترويج الملائم لتلك المشروعات.

ختاماً أقول: تعيش المملكة نهضة ريادية لا تعرف شمسها الغروب، وتنهض بمبادرة نوعية تنسج العطاء الدؤوب، لذا لابد من توظيف إدارة التسويق في الحكومة لتتولى توجيه بوصلة هذا الحراك الحضاري نحو سلّم المجد التنموي.