«كان طه حسين وتوفيق الحكيم قد سافرا إلى فرنسا عقب الحرب العالمية الأولي، وقضيا هناك عدة سنوات حصل خلالها طه حسين على الدكتوراه في فلسفة ابن خلدون في التاريخ، واطلع توفيق الحكيم على آخر وأفضل ما أنتجته أوروبا من أعمال أدبية، وعاد الاثنان ليحيطا المصريين علماً بما حدث من تقدم ثقافي في الغرب، وكان من ثمار هذا تنشيط حركة الترجمة من الفرنسية والإنجليزية والألمانية إلى العربية، وكانت لجنة التأليف والترجمة والنشر التى تأسست في مصر في عام 1914م، قد قامت بجهد رائع في هذا الاتجاه بنشرها ترجمات جيدة بأقلام تجيد اللغات الأجنبية والعربية، لأعمال كتاب مثل برنارد شو الأيرلندى وأناتول فرانس الفرنسي وجوته الألماني، وكانت العقود الثلاثة التي تفصل بين بداية الحرب العالمية الأولى (1914م) ونهاية الحرب العالمية الثانية (1945م) فترة شديدة الخصوبة في أعمال الترجمة والتعرف على الإنتاج الثقافي الأوروبي، ومن المؤكد أن كتب طه حسين والحكيم قد أسهمت مساهمة كبيرة في هذه الخصوبة. لم يكن الجميع راضين عن هذا الافتتان الشديد بالحضارة الأوروبية، إذ وجد البعض فيه دليلاً على ضعف الثقة بتراثنا العربي والإسلامي، وحذروا من أضرار المبالغة في هذا التقدير لثقافة الغرب، وكان من المؤكد أن الفريق الأول هو الذي انتصر في النهاية، كما يظهر من درجة «التغريب» الذي حدث للثقافة العربية خلال المائة عام الماضية، بل إني أشك في أن رجلا مثل طه حسين أو توفيق الحكيم كان يمكن أن يرضى عما حدث، لو قدر له أن يرى إلى أي مدى جرى هذا التغريب خلال تلك الفترة لا أظن أن أيا منهما كان يتصور أن يتحول الاعجاب بحضارة الغرب إلى ما يشبه الانسحاق امامها، إذ أظن أن ما كانا يدعوان إليه لم يكن يبلغ هذا القدر من التقليد المقترن بفقدان الثقة بالنفس».