«بدأت أعيد صلتي بالناس والأشياء في القرية. كنت سعيداً تلك الأيام، كطفل يرى وجهه في المرآة لأول مرة. وكانت أمي لي بالمرصاد، تذكرني بمن مات، لأذهب وأعزي، وتذكرني بمن تزوج، لأذهب وأهنئ. جبت البلد طولاً وعرضاً معزياً ومهنئاً. ويوماً ذهبت على مكاني الأثير، عند جذع شجرة طلح على ضفة النهر. كم عدد الساعات التي قضيتها في طفولتي تحت تلك الشجرة، أرمي الحجارة في النهر وأحلم، ويشرد خيالي في الأفق البعيد. أسمع أنين السواقي على النهر، وتصايح الناس في الحقول، وخوار ثور أو نهيق حمال. كان الحظ يسعدني أحياناً، فتمر الباخرة أمامي صاعدة أو نازلة. من مكاني وقامت على ضفة النيل طلمبات لضخ الماء، كل مكنة تؤدي عمل مئة ساقية. ورأيت الضفة تتقهقر عاماً بعد عام أمام لطمات الماء، وفي جانب آخر يتقهقر الماء أمامها. وكانت تخطر في ذهني أحياناً أفكار غريبة. كنت أفكر، وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان، ويتسع في مكان، أن ذلك شأن الحياة، تعطي بيد وتأخذ باليد الأخرى. لكن لعلني أدركت ذلك فيما بعد. أنا الآن، على أي حال، أدرك هذه الحكمة، لكن بذهني فقط، إذ إن عضلاتي تحت جلدي مرنة مطواعة وقلبي متفائل. إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة، أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر، ثمة آفاق كثيرة لابد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تُقطف، كتب كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء. وأنظر على النهر بدأ ماؤه يربد بالطمي لابد أن المطر هطل في هضاب الحبشة وإلى الرجال قاماتهم متكئة على المحاريث، أو منحنية على المعاول. وتمتلئ عيناي بالحقول المنبسطة كراحة اليد إلى طرف الصحراء حيث تقوم البيوت. أسمع طائراً يغرد، أو كلباً ينبح، أو صوت فأس في الحطب وأحس بالاستقرار. أحس أنني مهم، وأنني مستمر، ومتكامل. (ولا.. لست أنا الحجر يلقى في الماء، لكنني البذرة تبذر في الحقل). وأذهب إلى جدي، فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عاماً، قبل خمسين عاماً، لا بل ثمانين، فيقوي إحساسي بالأمن. كنت أحب جدي، ويبدو أنه كان يؤثرني. ولعل أحد أسباب صداقتي معه، إنني كنت منذ صغري تشحذ خيالي حكايات الماضي، وكان جدي يحب أن يحكي، ولما سافرت خفت أن يموت في غيبتي....»