في الماضي كان الناس يتعاونون على إنجاز الأعمال واليوم مواقع التواصل تعرض الخدمات المتنوعة

طلب الخدمات.. من الاعتماد على النفس إلى الاستعانة بالتقنية

جيل الأمس كان ينجز كل ما يخصه من أعمال بنفسه
إعداد: حمود الضويحي

في الماضي القريب كان الإنسان يتولى جميع أموره بنفسه فينجز ما عليه إنجازه وهو يستمتع بذلك، بل يرى من العيب أن يوكل غيره في إتمام ذلك، ومن أهم تلك الأعمال التي تتطلب جهداً بدنياً فقط، ففي بداية الأمر كان الكل يقوم بما يحتاجه من أعمال بنفسه اعتماداً على بيت الشعر الذائع الصيت والذي أصبح مثلاً: «ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتول أنت جميع أمرك»، فكان البعض يقوم بجميع الأعمال البدنية وهو مسرور مثل غسيل سيارته وتغيير زيت المحرك وإجراء بعض الصيانات الدورية، بل حتى مراجعة الإدارات الحكومية لإنجاز معاملاته والكثير من الأعمال الأخرى.

وفي عصرنا الحاضر بات المرء يبحث عن الراحة، ويوكل غيره في القيام ببعض متطلباته حتى الضرورية منها، ويستهين البعض بصرف مبلغ زهيد في مقابل القيام بهذه الخدمات، ويظن أنه يوفر الوقت والجهد، لكن ذلك يجعله يركن إلى الكسل، إضافةً إلى الخسائر المادية المتراكمة من جراء الصرف على تلك الأعمال البسيطة التي بإمكانه توفير هذا المال في صرفه للضروريات، وقد ظهر في عصرنا الحاضر من استغل انخراط الغالبية الكبرى من الناس في طلب الخدمات، وبات يقدمها لمن يرغب بذلك بسعر مقبول، وصارت تدر له دخلاً جيداً في نهاية كل شهر، بينما يزداد تعوّد من يطلب تلك الخدمات على ذلك ويستمر في الصرف على هذه الكماليات التي تستنزف جيبه شهرياً ليجد نفسه في دوامة من المصاريف التي قد توقعه فريسة للديون.

وظهرت أساليب جديدة سهّلت من عملية وصول طالب الخدمة إلى مبتغاه بفضل التقنية التي نعيشها اليوم، وذلك من خلال نشر الخدمات لمن يرغب عبر وسائل التواصل الاجتماعي كـ»السناب شات» و»تويتر» و»الواتساب» وغيرها، والحقيقة أن بعض الخدمات التي تقدم تعتمد على عامل الخبرة والتخصص في إنجاز الأعمال كالصيانة الدورية التي تتطلب إلماماً في تقديم الخبرة كصيانة أجهزة التكييف مثلاً أو الأجهزة الكهربائية، لكن الغالبية العظمى من تلك الخدمات بسيطة، ويستطيع أن يقوم بها أي إنسان ولا تستدعي الضرورة إلى الاستعانة بمن يقدمها، ولكن طلبها سببه زيادة الرفاهية والكسل عن القيام بها، والاستسهال أيضاً بمقدار ما يدفع لتلك الخدمة من ثمن زهيد.

تعاون ومشاركة

دأب الناس قديماً على التعاون فيما بينهم من أجل قضاء حوائجهم اليومية، وقد كان التعاون والتكاتف سمة جيل الأمس الذي يبادر إلى تقديم الخدمة إلى أخيه أو جاره بلا مقابل، فقد كانت حياتهم مبنية على التعاون والتكاتف، فعلى سبيل المثال كان من يريد أن يبتني داراً له - كان البناء من الطين - يبادر جميع الأقارب والجيران وأهل الحي إلى المساهمة في بناء البيت، فهذا يتكفل بجلب الطين على دابته وآخر يحضر أخشاباً من شجر الأثل لسقف الغرف، فيما يساهم أحد المزارعين بجريد النخل وهكذا، ومن لم يستطع أن يقدم شيئاً فإنه يساهم في العمل البدني في البناء وذلك بخلط التراب وتقليبه حتى يصير طيناً، ومن ثم يصبه في قوالب ليخرج بعد ذلك لبناً للبناء به، فيقوم الجميع بالمشاركة في عملية البناء حتى يكتمل، بينما يتكفل صاحب البيت بإعداد وجبة الفطور للمشاركين في العمل والغداء مما تيسر لديه، وكان غالب الطعام في ذلك الوقت من التمر واللبن في الصباح، وفي وقت الظهيرة يقدم وجبة دسمة كـ»المرقوق» أو «القرصان» أو «الجريش»، وبعد اكتمال البناء الذي لم يكلف صاحبه مادياً سوى بعض المتطلبات التي تحتاج عمل النجار كالأبواب والنوافذ أو «الأستاذ» الذي يمتلك مهارة في تصميم الدار ووضع أساساتها وما يلحق ذلك من أعمال كوضع الخشب على الأسقف بعد ضبط الارتفاعات المناسبة، وعلى الرغم من الجهد الكبير والمشقة في العمل إلاّ أن الكل يعمل باستمتاع ويرددون الأهازيج التي يجدون فيها الراحة من عناء التعب، وبعد أن يستكمل البناء في فترة وجيزة يقوم صاحب المنزل بعد سكناه بإعداد وليمة تسمى «النزالة» يدعو فيها أقاربه وجيرانه ومن اشترك في البناء ليتناول الجميع الطعام مباركين لصاحب البيت حصوله على بيت خاص به.

إتقان العمل

ويؤمن الكثيرون بمبدأ التخصص في إنجاز أي أمر يحتاجونه في حياتهم اليومية اعتماداً على المثل القائل «أعط الخباز خبزك، ولو أكل نصفه»، في إشارة إلى أن إتقان العمل شرط أساسي لإنجازه على الشكل المطلوب، فعند الصيانة الدورية للسيارة مثلاً أو التمديدات الكهربائية أو للأجهزة الكهربائية لا يغامر المرء بمحاولة إصلاحها بل يستعين بمن هو متخصص في مثل تلك الأعمال حتى لا يجلب لنفسه الضرر عند ارتكاب خطأ غير مقصود نتيجة قلة الخبرة في ذلك، لكن ذلك لا يتعارض مع مبدأ القيام ببعض الأعمال التي لا تتطلب المهارة والخبرة كالصيانة الخفيفة مثل تنظيف «فلاتر» الهواء للمكيفات أو استبدال المصابيح الكهربائية التالفة أو تركيب بعض الأثاث المنزلي الخشبي وغيرها، ففي ذلك حركة ورياضة للجسم واستمتاع بالوقت وتوفير للمال.

مكاتب الخدمات

واستدعت الحاجة فيما مضى اللجوء إلى مكاتب الخدمات المنتشرة في أغلب مدن البلاد والتي تقوم بعملية التعقيب لدى الدوائر الحكومية والشركات، حيث يوقع العميل على نموذج وكالة ليستطيع المكتب بعد ذلك مراجعة المعاملات وإنجازها لدى جميع الدوائر مثل استخراج وتجديد جواز سفر، أو إصدار إقامة، أو استقدام سائق خاص أو خادمة منزلية، أو بيع أسهم وغيرها، وقد أسهمت تلك المكاتب في تسهيل مهمة الكثيرين الذين لا يستطيعون الحضور بأنفسهم نتيجة سفرهم أو انشغالهم في أعمالهم أو إقامتهم بعيداً عن المصالح الحكومية التي يستلزم مراجعتها، ويرى البعض أن في ذلك تخفيفاً لمعاناتهم بحيث يدفع مقابل تلك الخدمات مبالغ معقولة تريحهم من العناء والمشقة.

مقابل مادي

وفي ظل اعتماد شريحة كبيرة من المجتمع على الآخرين في إنجاز أغلب أعمالهم مهما كانت بسيطة، فقد ظهر العديد ممن استغلوا تلك الفرصة فباتوا يعرضون خدماتهم لمن يرغب بمقابل مادي قد يراه البعض زهيداً، ولكنه مع الوقت وكثرة الإقبال فإن حصيلته الشهرية تزداد وتكون رأس مال لا يستهان به، وقد يكون نواة للانخراط في مشروع أكبر يدر ربحاً ثابتاً ويتطور مع الوقت حتى يجعل صاحبه من رجال الأعمال، وهكذا وجد بعض الشباب خاصةً ضالتهم في تحقيق الربح المادي وقضاء وقت فراغهم فيما ينفعهم سواء من كان على مقاعد الدراسة أو من ينتظرون الحصول على وظيفة تناسب مؤهلاتهم بعد تخرجهم، ومن الأعمال التي يقوم بها الشباب خدمة توصيل المشاوير بسياراتهم، ففي الماضي القريب كان العديد من طلاب المرحلة الثانوية أو الجامعية وعدد كبير من الموظفين يجوبون بسياراتهم وخصوصاً من نوع «الداتسون بكب» الشوارع بحثاً عمن يرغب في إيصاله إلى مكان ما فيقومون بنقلهم بمبلغ بسيط، وقد تنامى الطلب عليهم، وفي وقتنا الحاضر بات من يرغب بالعمل في إيصال المشاوير لمن يرغب عبر تطبيق يسهل استعماله وذلك من خلال التسجيل في موقع يتلقى الطلبات مثل تطبيق «أوبر» أو تطبيق «كريم» أو «مشاوير» وغيرها.

طلعة بر

ومن أسباب انتشار تقديم العديد من الخدمات غير الضرورية والتي تعتبر من الكماليات هي الرفاهية التي يعيشها جيل اليوم، ومن الأمثلة الجلية على ذلك تقديم خدمة تجهيز طلعة البر، بحيث يقوم البعض بعرض خدماتهم عبر الإعلانات في مواقع التواصل الاجتماعي، فيكون قد قام بتجهيز سيارة متنقلة للرحلات البرية تحوي جميع مستلزمات مثل هذه الرحلات من خيمة وفرش وحطب ودلال وأباريق وأدوات طبخ وجميع ما تحتاج إليه الرحلة البرية ليتم تأجيرها بسيارتها وسائقها على هواة البر بمقابل مادي، فيقوم من يريد أن يخرج للنزهة في إحدى البراري أو المتنزهات القريبة، خاصةً وقت الربيع واعتدال الجو بدفع مبلغ من المال لقاء تأمين ذلك، ويستمتع بقضاء بضع ساعات دون أن يعمل أي شيء سوى الجلوس متكئاً مع عدد من الشباب، ومن ثم يعود إلى منزله، حتى إنه من الخدمات الغريبة الإعلان عن مرافق خاص يقوم بخدمة رجل الأعمال أو الرجل الثري ويلازمه كظله مقابل مبلغ مالي محدد، كما ظهر العديد من الأشخاص الذين يمتازون بالمهارة في الطبخ عارضين خدماتهم لمن يريد أن يقيم وليمة بأن يقدموا أفخر أنواع الأطباق المحلية والعربية بل والغربية إذا شاء، وذلك لقاء مبلغ مالي يتم الاتفاق عليه، ويحضر المضيف ما يتم طلبه من الطعام كاللحوم والخضار والفواكه وغيرها ليتولى الطباخ إعداد وجبة الغداء أو العشاء.

اعتماد على النفس

وودّع الناس حياة التعاون والمساعدة في ظل تقدم الزمن واختلاف العديد من المفاهيم، وذلك بعد أن فارق الجميع حياة القرية الواحدة ذات النسيج الاجتماعي المتجانس، حيث كان الجار يقابل جاره كل يوم وتجمعه الطريق أو الحقل أو مجلس القرية ويعينه على حاجته دون مقابل، ومن ذلك قيام من يملك سيارة بإيصال أطفال القرية المجاورين لبيته مع أطفاله مجاناً، كما أن من يملك سيارة أيضاً يحمل من يصادفه على الطريق من أهل القرية وهم يحملون على ظهورهم أمتعتهم أو ما حصلوا عليه من حشائش لأغنامهم أو حطباً للوقود أو بعض منتجات مزارعهم البسيطة، ويوصلهم إلى القرية دون أن يأخذ على ذلك أجراً، كما كان كل فرد يقوم بعمل ما يحتاجه بنفسه، فكثيراً ما ترى الشباب يجتمعون حول «الغدران» بعد توقف المطر ويقومون بغسيل سياراتهم، حيث لم يكن هناك مغاسل منتشرة بكثرة كما هي عليه الحال اليوم، أو يقوم البعض بغيار زيت سيارته بنفسه عند الخروج مع أصحابه في وقت العصر، فيقوم بشراء علب الزيت و»السيفون»، ومن ثم يقوم بحفر حفرة تحت «صرة الزيت» ويفتح «الصرة» لينساب الزيت، وبعد أن يهم بالذهاب إلى المنزل في نهاية جلسة تناول الشاي وتجاذب أطراف الحديث يقوم بربط الصرة واستبدال «السيفون» ويغادر، وكم كان الجميع يستمتع بهذه الأعمال.

راحة وكسل

في عصرنا الحاضر تبدلت الحال، وبات الكسل سمة الكثيرين، فالطعام جلّه يطلب من مطاعم الوجبات السريعة، وعن طريق التوصيل أيضاً، فلم يعد الغالبية يقومون بجلب وجباتهم من المطاعم بأنفسهم، والأمر نفسه على ما يحتاجه البيت من مواد تموينية شبه يومي، حيث تقوم محال التموينات الغذائية بتوصيل الطلبات للزبائن، وباتت الخدمات متوفرة لمن يطلبها بمقابل مادي، فإذا أردت أن تنجز أي عمل تشاء فإن الأمر سهل، فما عليك إلاّ أن تتصل بأحد من يقدم هذه الخدمات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي ليصل إليك ما تريد في وقت قياسي، وانتهى وقت الاعتماد على النفس في إنجاز أمور المرء، وانتهى معه خدمة «الفزعة» وهي تقديم الخدمة بلا مقابل في ظل عصر الماديات الذي نعيشه، لكن لكل شيء ضداً، فقد أفرزت هذه الخدمات التي يعتبرها الأغلبية الساحقة مصدر راحة وسعادة جيلاً كسولاً لا يعتمد على نفسه في قضاء حاجياته، فانتشرت الأمراض جراء الكسل وعدم الحركة والأكل غير الصحي خاصةً من مطاعم الوجبات السريعة، مما حدا بالبعض التسجيل في نوادي اللياقة الصحية لقضاء وقت الفراغ ولممارسة الرياضة لطرد الكسل، كما أن هذه الخدمات والاعتماد عليها على الدوام باتت تستنزف جيوب كثير من الأسر التي تتفاجأ بأن أكثر مصروفاتها الشهرية على هذه الخدمات غير الضرورية ويمكن الاستغناء عن أكثرها بسهولة.

التعاون والفزعة بلا مقابل سمة جيل زمان
بيوت الطين بالقرى شهدت أجمل أيام العمر بالتعاون والتكاتف
تطبيقات التوصيل بمقابل أسهمت في فتح باب رزق للكثير
الاهتمام بنظافة السيارات وصيانتها قديماً كانت سمة بارزة لدى الأغلبية
توصيل الطلبات إلى المنازل انتشرت بكثرة في يومنا الحاضر
أفراح الأمس كشفت عن روح التعاون من الجميع
حمود الضويحي












التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع