العنوان نصُّ عبارة للروائي اللبناني أمين معلوف في روايته الممتعة (التائهون)، لم أكد أتجاوز آخر أحرف تلك العبارة إلا وأجدني أعود إليها مرة أخرى بمزيد تأملٍ أعقبته بطي الورقة التي تتوسط نصفها الأخير! وبعد فراغي من آخر أسطر الرواية أخذت في محاولة ربط أطرافها والإمساك بخلاصتها الحكائية. واخترت هذه بالذات لشعوري بإمكانية رصدها على عكس الرؤى والإيماءات الفكرية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي لا تكاد أن تتجاوز سطراً من هذا العمل الضخم دون ومضة أو إلماحة براقة منها.

عدت إلى البداية وتلقي بطل الرواية آدم مكالمة من زوجة صديقه مراد تستعجله فيها العودة من منفاه الاختياري في باريس لإلقاء النظرة الأخيرة على أقرب أصدقاء البدايات، وهنا تحضر أول تجليات العنوان حيث يستجيب آدم لهذا النداء فتفرح زوجة صديقه لتمكُّنها من جلب أقرب أصدقاء زوجها في هذا الظرف منهية قطيعة دامت ربع قرن من الزمان، وتتكرر لحظات الفرح والحبور ذاتها عند آدم مع أولى خطواته على أرض وطنه، إلا أن هذا الفرح سرعان ما يقطعه نبأ وفاة صديقه قبل أن يتمكن من إلقاء النظرة الأخيرة عليه.

تستمر أحداث الرواية ويتدرج معلوف في حبك تفاصيلها منطلقاً من مقترح أرملة صديقه تانيا بجمع الرفاق الذين باعدت بينهم الظروف التي كان يمر بها لبنان في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم..

يشرع بطل الرواية آدم في الترتيب لهذا اللقاء المرتقب، يراسل الأول ويتصل بالآخر ويزور الثالث وهكذا، ويستغرق أغلب صفحات الرواية أثناء هذا المهمة المعقدة حيث تتقاطع الأحداث مع شخصيات العمل وأدوارهم.

يؤصل آدم لفلسفة عداوة الفرح لذاته بحكاية عائلته التي كانت تعيش أيامها بحبور قبل أن يفجع بوفاة والديه في تحطم طائرة كانت تقلهم لحضور حفل زفاف ليزيح الحزن نقيضه قبل أن يبلغ أوجه في تلك الرحلة وهي لحظة التقاء العروسين وتبادلهما القبلات أمام المدعوين كما تقتضي التقاليد الغربية الحديثة.

ويؤكد على تلك الفكرة لاحقاً بشتات أصدقائه (التائهون) وهم في ذروة أفراحهم بعد التخرج من الجامعة بفعل الحرب الأهلية وتمخضاتها في لبنان!

وفي أثناء استعراض حكايا وقصص الأصدقاء وانعطافات حيواتهم نجد القاسم المشترك بين معظمها: اغتيال الفرح لنفسه، أي: حتمية تعاقب وتلازم الفرح والحزن واستحالة اكتمال الفرح دون منغصات وأحزان كما هو الحال في نهاية قصة العشيقين بلال وسمير أميس، والشريكين رامز ورمزي، ومراد وتانيا...

وأخيرا يصل معلوف بهذه الفكرة ذروتها حين يختار لبطلها ولاجتماعه -الذي ظل طوال 550 صفحة يُعد له العدة- نهاية مأسوية كانت صباح اليوم المرتقب للمِّ الشمل حيث تبلغ الأفراح منتهاها، وفي هذه اللحظة بالذات كما تقرر عبارة (الفرح عدو الفرح) يحلو للحزن أن يحضر محيلاً المشهد إلى مأتم قاتم بعد تعرض آدم رفقة صديقه رمزي لحادث مروري أثناء توجههما إلى مقر الاجتماع فيفقد الأخير حياته على الفور بينما يدخل بطلنا آدم في غيبوبة طويلة..

(التائهون) عمل سردي متقن، أقرب ما يكون إلى ما يسمى بالسير الروائية، يأخذ بتلابيب قارئه ويسوقه نحو عوالمه ومدنه المتباعدة من لبنان وعمان إلى البرازيل مروراً بباريس ونيويورك. مفعم بالرؤى والحمولات الفلسفية والاجتماعية، إلا أن حبكته الروائية لم تكن بذات المتانة والإتقان، فغالب أحداثها وشخصياتها تدور في إطار متشابه، لاتكاد تلحظ تغيراً فيه سوى في أسماء الأشخاص والأماكن. وربما للموضوعات الإنسانية التي تصدت لمعالجاتها -كقضايا الوطن، والهجرة، والأديان، والتعايش بين أصحابها، والحب، والوجود..إلخ- دور في هذا التكرار إذ تتشابه المصائر وتتلاقى قضايا البشر الكبرى وتتحد في لحظة ما.

وتظل حوارات الرواية أبرز جوانبها الإبداعية حيث بثّ معلوف من خلالها كل رسائله وخطاباته الإنسانية والحضارية بأسلوب سلس امتاز بالعقلنة والحجاج الهادئ والبليغ.