لستُ من أولئك الزاهدين في إبداعنا، ولا أجيد جلد الذات بطولةً أو حتى إحباطًا حقيقيٍّا، مازلت مؤمناً بأننا متفوّقون بإبداعنا تبعاً لحداثة تكوُّن مجتمعنا المعرفي والمدني مقارنة بجيراننا العرب، لهذا مازلت أرى أن لنا هويّتنا الإبداعية المتفرّدة، لا سيما حينما يتعلق الأمر باستلهام موروث هذه الصحراء العظيمة التي شكّلت لكل عصور الحضارة العربية منابع أولى غاية في الأهمية.

فيما يتعلّق باستكشاف الذات العربية وسبر أغوارها..

وإذا كان الشعر (عندنا) قد نجح وتفرّد دائماً بتوظيف موروثنا العربي القديم على كافة المستويات تمثلاً أو استدعاءً أو استلهاماً، واستطاع بهذه العودة الواعية للمنابع الأولى أن يختط له منهجًا خاصّا به.. فشعراء العصر الحديث من السعوديين جلّهم إن لم يكن كلهم وجدوا لهم مساحة خصبة وهوية خاصة من خلال إعادة الحكاية الصحراوية القديمة إلى مجرى الكلام برؤى وانعكاسات عصرية، أقول إذا كان الشعر فعلَ ذلك ونجح غالباً، فلا أقلّ من أن نفاتح السينما اليوم بهذا البعد الخاص والمميز ولو على سبيل صناعة نص سينمائي مختلف ومتفرد عن تلك التي قدمتها الدراما أو السينما العربية، جلّ أساطير الصحراء كعنترة أو امرئ القيس أو طرفة بن العبد وغيرهم قُدّمت سيرهم التاريخية إما بأعمال سينمائية أو أعمال درامية، عن طريق مبدعين عرب أعادوا قراءة سيرتهم، وقدّموهم لنا كما ارتأوهم لا كما أدركنا بيئتهم وعايش خيالنا فيهم حالات الزمان في المكان، والمكان ذاكرة للزمان، وإذا كانت الصحراء منذ الأزل منا وإلينا.. بقيت فينا امتدادًا حضاريًّا حتى ونحن نختط فيها المدن والحياة فإننا كما يبدو لي نمتلك فهمها وحوارها وبلورة تاريخها بشكل مختلف ومتفرّد، لهذا أجد أننا بحاجة ماسة لكتابتها فنيّا.. سواء على شكل أفلام سينمائية في ظل انفتاحنا عليها أخيرًا، أو حتى على شكل روايات تأخذ هويتها الخاصة من هذا الأرض حينما تجيد استنطاقها، بعد أن نجحت دائماً في استنطاق المسكوت عنه فينا، أجزم أننا نفهم تاريخ هذه الأرض أكثر من غيرنا كما أجزم يقينا أننا سنتفرّد في هذا إن فعلنا..