نتوقف بالمغزى وراء الفيلم السينمائي «اللاعب الجاهز رقم 1 Ready Player number one» حيث يطرح عالماً مستقبلياً تتجه له ربما البشرية، إنه عالم الواقع الافتراضي، حين يستجيب البشر لدعوة السيد هوليدي المتجسد في رمز أنوراك Anorak، المعروف بعبقريته المطلَقة في اختراع الألغاز واختراقها، حيث يختفي هذا العبقري تاركاً وراءه إرثا مهولاً، يتمثل في التحدي للماهرين في حل الألغاز، يدعوهم للبحث شبه المستحيل عن بيضة فصح ذهبية مخبأة في مكان ما في أكبر لعبة تم إنشاؤها على الإطلاق والتي أطلق عليها اسم «الواحة The OASIS»، وتتمثل الجائزة في السيطرة على الواحة ولاعبيها بالإضافة لمبلغ كبير من المال فيما يزيد على عدة تريليونات من الدولارات.

ويتطلب الفوز العثور على ثلاثة مفاتيح مخفية تفتح ثلاثة أبواب سرية، إلا أن الطريق لتلك المفاتيح محفوف بالأخطار المهلكة، ويتم اختبار الضعفاء وتصفيتهم نهائياً بينما يتقدم أولئك الذين يمتلكون المهارات اللازمة للبقاء على قيد الحياة في هذه المضائق المميتة.

عالم أسطوري من شراك ودمار في واقع افتراضي يلغي الواقع الملموس والأجساد حيث تلعب البطولة الرموز avatars، عالم أشبه بعالم الأحلام تتهشم فيه العربات والمباني ليتم عمارها بلمحة، عالم تنهض فيه الأشلاء لتعاود الصراع والتقدم أو الهزيمة. عالم لا موت فيه إلا أنه وفي ذات الآن لا حياة، إذ كل شيء لا يعدو أن يكون وهماً، أعتى مشاهد الدمار والموت ما هي بالنهاية إلا لعبة، لعبة تستغرق الحياة بل وتحل محلها وبذلك تلغيها، حتى لتدفع المشاهدين والضالعين فيها للشك في حقيقية الحياة وماهيتها.

وربما تنبعث عبقرية حبكة هذا الفيلم من هذا التشكيك في الماهية، ويندلع التشكيك من المفارقة التي تشكل الضربة الأولى لحصانة اللغز، الضربة التي تتلخص في أن حل اللغز يأتي هنا ليس من المضي قُدُماً وإنما من التقهقر للوراء، لكأنما يريد أن يقول للاعب أو المتلقي «غادر القطيع وتغلب على إحباطات الازدحام السكاني والبطالة والكوارث، واسبح عكس التيار متصلاً بأصولك، تواصل بالمنشأ لتعثر على مفاتيح قوتك، مفتاح النحاس المنصوب في قبر من أهوال ومفتاح اليشم، وأخيراً النجمة الحمراء الخماسية والتي تمثل الحقيقة وتقود لمفتاح الكريستال أو مرآة الذات».

تلك المفاتيح المبدئية أو مفاتيح البرق الخُلَّب الذي يضللنا عن الحقيقة أو عصارة الحي، تدرك وسط كل ذلك الصراع المحموم في دركات وهم اللعبة أن السيطرة على الواقع أو السيادة الحقيقية تكمن في الاستسلام للحظة، في جوهر اللغز يقول لك العبقري أنوراك، «ما تبحث عنه يكمن في عمق المهملات، لا تبحث بعيداً، ربما ليس أبعد من أبسط ممارسات الحياة اليومية»، يقول للفائز، «فوزك الحقيقي ليس في حل اللغز وإنما في ترفعك عن الهيمنة، رفضك الانسياق في اللعبة والتنصب سيداً على الوهم، الحل في ثلاثة: الإيمان، الأمل، العطاء». يفاجئنا مخترع اللعبة هوليدي المتخفي في آفاتار أنوراك باستقباله للبطل ويد واتس Wade Watts الفائز ابن الثامنة عشرة الذي وبعد فوزه قد حقق نصراً مضاعفاً حين رفض السيادة على اللعبة، يهنئه هوليدي قائلاً بأسى عميق، «لقد نجوت أنت من الوهم حيث وقعتُ أنا في براثنه. ليس أبدع ولا أعمق لذة من الواقع الملموس، ترجع عبقرية الواقع لكونه المكان الوحيد الذي بوسعك فيه تناول وجبة لائقة».

هكذا ببساطة، لقمة لائقة هي أثمن من كل كنوز الوهم المتمثل في هذه اللعبة الواحة، واحة الوهم والسلطنة الزائفة، نعم، لقمة حقيقية ألذ من تريليونات الواقع الافتراضي. لا شيء يعدل أن تكون حقيقياً، بل ليس أبدع من أن تكون حقيقياً ومن لحم ودم.