تسلم خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله-، التقرير السنوي الرابع والخمسين لمؤسسة النقد العربي السعودي، الذي يستعرض التطورات الاقتصادية والمالية في المملكة خلال عام 2017م. ومن ضمن ما جاء فيه إن الناتج المحلي الإجمالي قد انكمش خلال العام المشار إليه بنسبة 0.86 %، بالمقارنة مع عام 2016. وذلك نتيجة لتراجع الناتج المحلي للقطاع النفطي بنسبة 3.09 %.

 ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل أن تراجع الناتج المحلي للقطاع النفطي لا بد وأن يؤدي إلى تراجع الاقتصاد؟ هذا يعود بنا إلى رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. بالفعل فنحن ما لم نعد هيكلة اقتصادنا فإننا سوف نكون رهائن لأسعار النفط التي يتناسب ناتجنا المحلي الإجمالي معها تناسب طرديًا، فيرتفع بارتفاعها والعكس بالعكس.

إن الأرقام المشار إليها في الفقرة الأولى توضح أن انخفاض الناتج المحلي للقطاع النفطي بنسبة 3.09 % قد أدى إلى انخفاض حجم اقتصادنا بنسبة 0.86 %. ولذلك لو تمكنا من عكس المعادلة والتعويض عن العائدات النفطية بعائدات من مصدر آخر فإن الانخفاض لن يحدث. فالتحدي الذي يواجهنا إذًا هو إيجاد مصادر أخرى للدخل غير العائدات النفطية.

 ولذلك فقد استغربت عندما رجعت إلى تقرير البنك الدولي ووجدت أن نسبة تكوين رأس المال الثابت إلى ناتجنا المحلي الإجمالي لم تتعد 23 % عام 2017. فبهذه النسبة المنخفضة لن نتمكن من إيجاد بدائل تقلل اعتمادنا على النفط. وللمقارنة فإن نسبة رأس المال الثابت إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين في العام المشار إليه هي 42 %.

إن أمامنا مهمة ليست سهلة ولكنها ممكنة. فطالما تمكنت بلدان كثيرة من زيادة نسبة رأس المال الثابت في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات مرتفعة، فإنه أيضًا بإمكاننا رفع هذه النسبة-لا أقول مثل الصين ولكن كما هو في إندونيسيا 32 %. فهذه النسبة قريبة لما كانت عليه في المملكة 28 % عندما كنا نبني الجبيل وينبع في نهاية السبعينات بداية الثمانينات من القرن المنصرم. فالظروف الآن مواتيه أمام كل من القطاع الحكومي والقطاع الخاص لزيادة الإنفاق الاستثماري. ولذا يفترض أن يأخذ القطاع الأول المبادرة فيرفع من ناحية نسبة الإنفاق والاستثمار في إجمالي إنفاقه، من ناحية أخرى توفير المغريات والتسهيلات بل والدعم لقطاع الأعمال وتشجيعه على زيادة النشاط الاستثماري. وربما يكون من المجدي في البداية إنشاء شركات كبيرة ذات قدرات تصديرية عالية برأس مال حكومي خاص مشترك وطرح شريحة الأسهم الحكومية أو بعضها للاكتتاب العام عندما تقف هذه الشركات على أرجلها.