الغضب هو ثوران الدم وهو مذموم, ذلك أنَّ الغضب يجمع كثيرًا من الشرور التي تعقبها الندامة, ولسان حال الغاضب بعد جلاء الغضب عنه, ليتني ما قلت, ليتني ما فعلت, ليتني صبرت ولغضبي كتمت, ثم لو فتَّش عن سبب غضبه يجده لأجل أمر لا يستحق, لعلم أنَّه أساء إلى نفسه, إساءة ما كانت لتكون مع كظم الغيظ وكتم الغضب, وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أنَّ: "المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة" وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أول الغضب جنون وآخره ندم ولا يُقوَّمُ الغضب بذُلِّ الاعتذار وربما كان العطب في الغضب" قال الشاعر:

ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم

عدوًا لعقل المرء أعدى من الغضب

ومن علم أسباب الغضب, فإنَّه يسعى مجتهداً إلى تجنُّبها, ليسلم من هذه الآفة المذمومة, فتجدون من الناس من يغضب, لأجل تعصُّب إما رياضي أو قبلي أو مناطقي أو لأجل حسد وحقد, أو لأجل سخرية واستهزاء, فيغضب على من استهزأ به وسخر منه, أو لأجل مجادلة ومراء, انتصاراً للرأي الذي يطرحه, وتجدون أقواماً أعجبتهم أنفسهم, وأنزلوها مقاماً أرفع من مقامها, فافتخروا بأعمالهم وبزّوا بها على غيرهم, ويرون لهم فضلاً على غيرهم, فتجدهم يغضبون عُجباً وافتخاراً, قال بعض الأدباء: "إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر".. ومن الناس أقوام يظنون أنَّ الغضب قوة وشجاعة وتدل على الرجولة وعزَّة النفس, وما علم كل أولئك أنَّ الغضب جهل وضعف ونقص, وأنَّ العقل لا يثبت عند الغضب الذي هو مفتاح لكل شر, وكل الغضب مذموم إلا الغضب عندما تنتهك الحرمات..

ومن علاج الغضب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم, وذكر الله تعالى, والوضوء والصلاة, وأن يقعد إن كان قائماً, ويضطجع إن كان قاعداً, ويسكت ويكظم غيظه, ويعفو عمَّن أغضبه ويعرض عنه, فإنَّ ذلك من صفات المتقين قال تعالى: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [آل عمران: 133، 134] ومن علاج الغضب أن يتذكر ما ينتج عند غضبه من إزدياد المشاكل وحصول الندم, فكم من غاضب تصرف تصرُّفاً ندم عليه, وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الجامع. اللهم أجعلنا كاظيمن الغيظ عافين عن الناس محسنين إليهم.