دَحيّم له قدره على أن ينبح كالكلب، وينهق كالحمار، ويهدر كالبعير ويؤذن كأذان الديك.. ويستطيع أن يقلد أصوات البشر، ويمشي كمشي البهائم، وكان يقول عنه أستاذه بالمدرسة: إن هذا موهبة تمشي على الأرض، وتنام على الفراش، وتقفز نحو السماء، ولكن أحداً لم يكتشفها ويعتني بها..! وذات ليلة أخذ يعوي عواء الذئب، فهرع أهل الأغنام وأخذوا أسلحتهم خوفاً على مواشيهم.. وذات ضحى صعد المئذنة، وأخذ يقلد المؤذن، فقال الناس، لقد أصاب مؤذننا الجنون كيف يؤذن وقت الضحى..؟ ولكن أصعب ما جاء به حينما لبسَ لباس امرأة، ودخل على القاضي مدعياً أنه زوجة مدير المدرسة وتطلب الطلاق لأنه يضربها بالليل..! فقام القاضي باستدعاء مدير المدرسة، وهدده بفضحه إن لم يقلع عن هذا الفعل القبيح، فجن جنون المدير، خاصة بعد أن انتشر الخبر في البلدة والمدرسة، وصار الناس يعثون في عرض المدير بما شاؤوا، ولكن الأمر اكتشف فيما بعد، فحكم على دحيّم بالجلد، والسجن شهرين مع فصله من المدرسة.. وضاق والده به ذرعاً، فطرده من البيت، فظل هائماً، يتغدى عند فلان، ويتعشى عند فلان، وينام في المسجد، ثم إن أحد أصحاب المزارع عطف عليه، وأخذه إلى مزرعته، واشترط عليه أن يعمل بهمة وإخلاص.. ثم صار يدفع له أجراً، ويشجعه على العمل.. وذات يوم كان عند صاحب المزرعة مناسبة، وتجمع المدعوون في عريش المزرعة، وكان فوق العريش نخلة عملاقة، وحينما مدت المائدة وشرع المدعوون في الأكل، فوجئوا بحمار ينهق فوق رؤوسهم!!  فنهضوا مسرعين ينظرون إلى السماء، ففوجئوا أن دحيّم هو الذي ينهق في رأس النخلة.. وكان بين المدعوين مسؤول كبير فشرح له صاحب المزرعة حكاية دحيّم، فدعاه وأجلسه معه وأخذ يحاوره ويضاحكه، فأعجب بذكائه، وموهبته، ووعده بأنه سيبحث له عن عمل مناسب شريطة أن يكون جاداً ولا يمارس مثل هذه الحركات البهلوانية.. فقال أما العمل فأبشر بالجد، والإخلاص، وأما التقليد فلا أضمنه.. فضحك المسؤول.. وبعد أيام جاءت سيارة وحملت دحيّم.. ثم فيما بعد تبين أن المسؤول توسط له بعمل في إحدى الشركات المعروفة.. وغاب دحيّم، وغابت حكاياته عن البلدة والأذهان.. وبعد سنوات طويلة، فوجئ الناس برجل عليه سيماء الحشمة والوقار والترف وهو يقود سيارة فخمة، ولم يتمكنوا من التعرف عليه إلا عندما رأوا السيارة تقف عند باب بيت والده، فعرفوا أنه «دحيّم» والذي صار اسمه فيما بعد عبدالرحمن.. ومرت السنين والأيام حتى أصبح مسؤولاً كبيراً في الشركة، وأخيراً صار المدير العام لها، وذاع صيته، وارتفع شأنه بين الناس، ثم أخذ شبان البلدة يتتابعون للعمل في الشركة..!! كل ذلك بواسطة وشفاعة مديرها الأستاذ عبدالرحمن أو من كانوا يسمونه سابقاً بـ: دحيّم النهاق..!!