لا يقتصر الأمر على تسهيل المناسك فحسب، وإنما يتعدى للوصول إلى أرقى التقدم الحضاري والمعماري الذي لا مثيل له في العالم، فلا تستطيع أي دولة مهما بلغت على مثل هذه المنجزات المبهرة والرفاهية المتناهية والأمن والأمان لكل فرد هرع لبيت الله الحرام..

كل عام وبلادي تبهر العالم، وكل عام والعالم ينظر بنصف عين لما تحققه المملكة من إنجاز عالمي مبهر ونادر لا يقدر عليه سواها!

دعونا نتأمل في هدأة وتيقن لما يجري كل عام في موسم الحج، ثم نتأمل كيف يتعامل العالم مع أحداث أصغر وأهون وأقل بكثير بعدسة مكبرة لا تنوي سوى إهدار الجهد والتقليل منه، وهو يعلم ماذا يعني موسم حج كهذا! ولكن «لحاجة في نفس يعقوب» كما يقولون، وكأن ما تحققه المملكة العربية السعودية من إنجاز شيء عادي!

الحقيقة أنه أمر غير عادي ولا يتكرر مثله في أي من بلاد الله! وأنه إعجاز لا تستطيع أن تنجزه أعتى الدول! وفي المقابل نجد الفسحة الكبيرة من الإعلام لاصطياد هوامش الأمور فتأخذ القسط الأكبر في ظلم وسفه عالميين لا نظير لهما!

في هذا الموسم كنت شاهد عيان على ما يجري فيه، وكأنني أرى ثوباً جديداً عن سابقه في كل عام. أمر مذهل من التطور والإنجاز! فهل تعنينا عين العالم العوراء التي لا ترى سوى ما يروق لها؟

تساؤل يحتاج إلى تأمل فيما تبذله بلادي في هذا الأمر من ترتيب وتنسيق وأمن وأمان وإعمار وإنشاءات، وفنادق، ومواصلات وكل تسهيل يؤدي إلى راحة 2 مليون و371 ألف حاج يتحركون جميعهم في مكان واحد، وينتقلون جماعة من مكان إلى مكان فوجاً واحداً، بالإضافة إلى ما تعنيه البنية التحتية لهذا الكم الهائل من البشر في وقت واحد، حتى إن الحج أصبح رفاهية في نظر الكثيرين، بالرغم من تعدد ملايين البشر في وادٍ يفسحه الله عز وجل بأمره ليتسعهم ويحتضنهم، وفيما يغفله الإعلام العربي والعالمي في تقصير لإظهار هذا الإنجاز والإعجاز من حكومة حباها الله عز وجل هذا الفضل العظيم!

دعونا نقارن ما يفعله الإعلام العالمي اتجاه إقامة كأس العالم في بلد ما وهو حدث لا يصل إلى موسم الحج على الإطلاق؟! من هنا نرى حجم التسويق لأمر لا يرقى إلى مستواه!

حيث يبدأ في شغل العالم بأسره قبل عدد ليس بهين من السنين؛ ما الدولة المنتقاة، وما أجواؤها وأمنها وطرقاتها وملاعبها، ثم تبذل الرشى وتنفق الأموال في الخفاء وفي العلن من أجل أن تفوز هذه الدولة أو تلك بإقامة الدورة في بلادها، وكيف تبدأ بعد اختيارها في بناء المرافق والفنادق والطرق والمواصلات بحسب مقاييس عالمية تهز العالم؟ ثم كيف يتابع العالم كله شاشات التلفاز وقنواته وصحفه هذا السباق المحموم للفوز؟ وما الدولة ومن يفوز، ومن يرشي، ومن يرتشي؟ وكلنا نتابع قضايا الفساد والرشوة المعروفة في هذه الأمور التي لا تخفى على أحد! فقط لإقامة دورة واحدة لكأس العالم. ثم كيف تنتظر كل دولة دورها في هذه الاستضافة وتستعد قبلها بسنوات كثيرة، وحينما يهبط الموعد المنتظر في سماء هذه الدولة أو تلك نجد الإعلام يصم الآذان في التسويق لتلك الدولة ولمعالمها ولكل شيء فيها وهو تسويق يعود بالنفع الكبير على اقتصادها من دون شك!

بينما نجد أن المملكة العربية السعودية تستقبل في كل عام أضعاف تلك الأعداد من البشر، وتنجز كل عام ما يفوق سابقه فقط لراحة ضيوف الرحمن وليس للدعاية أو للتباهي!

حقيقة، أمر يدعو للدهشة؛ لما يتغافله الإعلام العربي والعالمي عن حدث من أهم الأحداث العالمية، فلا نجد الأضواء تسلط إلا على أداء المناسك، وعن كم حدث من وفاة أو من عطل في أحد شوارع المدينة، بالرغم من عدم حدوثه إلا فيما ندر.

نحن الإعلاميين والأكاديميين نعلم كنه وأسرار الضوء الإعلامي «كيف، ولماذا، وأين، ومتى، ولماذا» محاور يتجاهلها الفضاء العالمي، وكأنها أمور عادية ومعتادة! لا والله ليست بعادية ولا معتادة، بل حمل كبير يقع على كاهل البلاد لا يعلمه إلا الله، فلا يقتصر الأمر على تسهيل المناسك فحسب، وإنما يتعدى للوصول إلى أرقى التقدم الحضاري والمعماري الذي لا مثيل له في العالم، فلا تستطيع أي دولة مهما بلغت على مثل هذه المنجزات المبهرة والرفاهية المتناهية والأمن والأمان لكل فرد هرع لبيت الله الحرام، وكأن الدولة قد خصصت لكل حاج رجلاً يعمل على راحته، في زمن يتفشى فيه الإرهاب والقتل والحرب والمرض في كل مكان في العالم. لكن الحجيج حينما يصلون يجدون العناية والخدمة الأمنية المدهشة والطرقات والتسهيلات المرورية والعناية الصحية في كل مكان، بالإضافة إلى أعمال التوسعة التي تعمل عليها المملكة في كلا الحرمين الشريفين من كل عام!

أين الإعلام العربي والعالمي من كل هذا لتبيان مدى قدرة المملكة على استيعاب هذه الأعداد وكأنها في نزهة خلوية؟ وأين هو من تسليط الضوء على المملكة بوهادها وقراها ومدنها وتطورها واقتصادها ومكافحتها للإرهاب ولما تبذله وأشياء كثيرة، نجده يهتم بها حينما تقام دورة رياضية في بلد من البلدان؟ اللهم إلا إذا ظهرت بعض الأخبار والصور لمناسك الحج، وهو لا يعلم ماذا بذل وكيف تم، وما خصصت الدولة من مناطقها وعمرانها واقتصادها ورعاية مواطنيها. وكل ما نراه في طنطنات الإعلام للعب في دورة ما وعن تلك البلاد المقامة فيها، ونحن نشارك في هذا التسويق والدعاية و»البهرجة» لها ليس إلا لأننا نساير الإعلام في ذلك!

إن ما رأيته وعايشته في هذا الموسم يستحق أن يشغل العالم وقنواته وصحفه ووسائله التي لا تهتم إلا باصطياد الأخطاء لنا، وكأننا نحتاج إلى تبرير لكل صغيرة وكبيرة!

وفي النهاية نحن لا نحتاج إلى تبريرات ولا أبواق إعلامية؛ لأن بلادي تعمل على خدمة الحجيج إرضاء لوجه الله الذي حباها هذه النعمة دون سواها. وختاماً، نقول للطامعين، والعملاء، والجواسيس، والراشين والمرتشين: موتوا بغيظكم، فلن تستطيع أي دولة مهما بلغت أن تقيم موسماً واحداً فقط، فما بالكم بأنه يتكرر كل عام بفضل الله وبحمده، وبفضل حكومة وقيادة سخرت كل شيء لخدمة حجاج بيت الله الحرام، والترحيب بهم، وضيافتهم على أحسن وجه ممكن أن يكون، فهل يبصر العالم ويرى؟!