الاتصال بين جزيرة العرب وشواطئ الهند الغربية بدأ منذ عهد قديم، ومكّن هذا الاتصال من هجرة جاليات عربية واستيطانها على شواطئ الهند الغربية لأغراض تجارية، كما مكّن جاليات هندية من الاستيطان في الساحل الجنوبي لجزيرة العرب..

نحاول في هذه القراءة التاريخية الوقوف على حلقات التطور التاريخي للحضارة الإسلامية، وهي مراجعات في فضاء الحضارة الإسلامية الواسع، ولكن قبل الدخول في هذه القراءة التاريخية أود أن أؤكد على أن هذه القراءة التاريخية لا تتناول العقيدة الإسلامية، ولا تتحدث حول الإسلام وشريعته، ولكنني أتناول العلاقة ما بين الدين والتدين في المجتمعات الإسلامية.

نطاق هذا الحديث المكاني والزماني هو الهند بتكوينها وتشكلها الأول، فمن المعروف أن الهند مرت بثلاثة أدوار تاريخية وجغرافية، تشكل الدور الأول مع بدايات القرن الخامس عشر قبل الميلاد وانتهى العام 1947م، وقد شمل رقعة جغرافية واسعة ضمت الهند وباكستان وبنغلاديش وبورما وبهوتان ومالديف ونيبال وسريلانكا.

أما الدور الثاني فبدأ العام 1947م، ويضم الوحدة الجغرافية التي تتكون من الهند وباكستان وبنغلاديش.

ويتركز الدور الثالث والأخير في جمهورية الهند الحديثة ولكن كلمة الهند في هذا الحديث يقصد بها الدور الأول في شبه القارة الهندية، وفي هذا الدور سوف نقف على الجانب التاريخي في العلاقة ما بين الحضارة الإسلامية والحضارة الهندية كيف بدأت لكي نحصل على بعض المؤشرات التي سنعملها في فهم تطور هذه العلاقة التاريخية، وهي علاقة تتسم بالتفاعل قبل وبعد الإسلام إذ لم تكن الهند مجهولة بالنسبة للعرب، بل كانت عبر تاريخ جوارها الطويل الراسخ الممتد على بحر العرب تقيم مع جزيرة العرب أوثق الروابط الاجتماعية والاقتصادية.

فقد استفادت جزيرة العرب من جوارها مع الهند في ترسيخ بنيتها الاقتصادية فضلًا عن العلاقات الاجتماعية التي خلقها جو التبادل التجاري، بيد أن هذه العلاقة لم تكن أحادية الجانب بل كانت علاقة ثنائية متعددة.

فالاتصال بين جزيرة العرب وشواطئ الهند الغربية بدأ منذ عهد قديم، وقد مكن هذا الاتصال من هجرة جاليات عربية واستيطانها على شواطئ الهند الغربية لأغراض تجارية، كما مكن جاليات هندية من الاستيطان في الساحل الجنوبي لجزيرة العرب، كما مكن هذا الاتصال أيضًا السفن العربية التجارية من الإبحار انطلاقًا من سواحل البحر الأحمر أو السواحل الجنوبية عند مصب نهر السند أو ساحل مليبار إلى ميناء كولم شرق المحيط الهندي، والتي كانت تتزود منها السفن التجارية في رحلتها الطويلة إلى الصين.

وحين ظهر الإسلام حمله التجار والبحارة العرب إلى البلدان التي كانوا يقصدونها في رحلاتهم التجارية.

وكانت مكة المكرمة آنذاك مركزًا تجاريًا وحضاريًا، وكان التجار والبحارة الرائحون والغادون ما بين مكة ومراكز التوزيع التجارية إلى مدن ساحل الهند الغربي ينقلون إلى تلك الموانئ البضائع والدين الجديد.

وتشير الدلائل التاريخية على أن البدايات الأولى لوصول الإسلام إلى شبه القارة الهندية كان عبر سواحل مليبار المطلة على بحر العرب، وذلك على أيدي التجار والبحارة العرب.

وكانت سواحل مليبار هي المحطة الأولى للإسلام بعد خروجه من الجزيرة العربية حيث وجد الإسلام قبولًا لدى الأوساط المليبارية؛ وذلك بسبب عدم وجود المطامع الإقليمية لدى العرب، وانتفاء الروح الاستعمارية، فشق الإسلام طريقه في المجتمع المليباري.

إلا أن التجار والبحارة العرب لم يكونوا العامل الوحيد في دخول الإسلام إلى الهند، فثمة دلائل تاريخية تشير إلى وجود عوامل أخرى كان لها دور بارز في دخول الإسلام للهند، فمن ذلك ما أورده المؤرخ المليباري بالا كريشنا بلاي من أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وفدًا إلى ملك مليبار يدعوه إلى الإسلام.

إلا أن هنالك حادثة تاريخية توقف عندها المؤرخون طويلًا وهي حادثة لقاء ملك كدنغلور تشيرمان برمال بالنبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه بعد أن رأى معجزة انشقاق القمر، وهي معجزة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، انشق فيها القمر نصفين، نصف على جبل الصفا ونصف على جبل قيقعان، وسوف تكون هذه الحادثة في خلفية تحليلنا نشير إليها ونطور هذا التحليل في معية أثرها، حيث يؤكد المؤرخ فرشته، الذي كتب تاريخ الهند باللغة الفارسية ونقله إلى اللغة الأردية أن الملك شاهد بنفسه معجزة انشقاق القمر وسافر وقابل النبي صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه.

ويتناقل المليباريون أن إسلام الملك كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بسبب رؤيته انشقاق القمر، وقد أكد المؤرخ أرنولد قصة رؤية الملك معجزة انشقاق القمر.

ويستدل بعض المستشرقين ببعض الكتب التاميلية والمليبارية التي تؤكد على أن الملك تشيرمان برمال سافر إلى جزيرة العرب عندما رأى انشقاق القمر.

وتدل الوثائق التاريخية على أن أسرة تشيرمان برمال الحاكمة تقيم في مدينة كدنغلور، ويوجد في قصر علي راجا في كنور وثائق تاريخية من الصحائف النحاسية والنقود التاريخية والوثائق المكتوبة والمخطوطات تؤكد على أن أسرة تشيرمان برمال الحاكمة تعود إلى بداية الإسلام في مليبار، كما تشير إلى الدور الكبير الذي لعبته هذه الأسرة الحاكمة في نشر الإسلام، وكان مؤلف كتاب الإسلام في مليبار محمد حفظ الرحمن الأمين العام لجمعية علماء الهند قد قام برحلة علمية إلى مليبار وزار قصر علي راجا بأراكل للاطلاع على الوثائق التاريخية المحفوظة في القصر تمهيدًا لتأليف كتاب عن بداية الدعوة الإسلامية في مليبار ودور هذه الأسرة في نشر الإسلام في مليبار استنادًا إلى هذه الوثائق وغيرها من المخطوطات المحفوظة في مكتبة الجمعية الآسيوية بكلكتا، ولقد تبين له من الوثائق التاريخية أن الدعوة الإسلامية قد بدأت في مليبار على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

فإذا نظرنا إلى السياق التاريخي نجد أن العلاقات التجارية كانت هي السائدة في فترة بداية نشوء العلاقة مع الهند، والتي أعقبها الفتح الإسلامي الأول عبر السند والملتان والفتح الإسلامي الثاني عبر أفغانستان.

وقد كان لهذا الفتح الإسلامي آثار إيجابية في نشر عقيدة التوحيد في مجتمع تقوم فيه العقائد الدينية على تعدد الآلهة والأساطير والطقوس وعبادة قوى الطبيعة وفي نشر العدل والمساواة في الوقت الذي كان يهيمن فيه نظام الطبقات، وقد تأثر الفكر الهندوسي بالفكر الإسلامي وقد ظهر هذا التأثر على مجدد الهندوسية الحديثة شنكارا الذي أعلن ثورته ضد تعدد الآلهة والدعوة للتوحيد المطلق مما اعتبر نقطة تحول في الفكر الهندوسي.

أما الآثار السلبية فإن الفتح الذي حدث في شمال الهند قام به فاتحون حديثو عهد بالإسلام، وأن بعض تلك الفتوحات التي تمت في شمال الهند كانت ذات طابع ديني وسياسي، وأن التسهيلات والامتيازات التجارية التي قدمها بعض الحكام المغول للدول الأوروبية كانت سببًا في تمكينهم من دخول الهند، ففي أواخر عهد الإمبراطور أكبر حصل البريطانيون على الامتيازات التجارية، وتأسست شركة الهند الشرقية العام 1600م، وكان ذلك بمثابة استدراج للتدخل البريطاني في الهند وفي العام 1602م حظيت هولندا بامتيازات تجارية عن طريق أكبر وجهانكير فتأسست شركة الهند الهولندية، وقد أخذ المؤرخون على هذين الحاكمين أنهما كانا أحد الأسباب الرئيسة في دخول البريطانيين الهند ونهاية دولة المغول الإسلامية.