بالتأمل في التصميم الفني الداخلي «الديكورات» لمطاعم الوجبات السريعة والمقاهي نجدها مما يمكن أن نطلق عليه وصف «خفيفة»، بمعنى أنها إعادة إنتاج لفن معروف، بمعنى أنها تبتعد عن الأصالة originality والرهبة الكامنة في الأصالة، تصميمات تُشعرنا بأنه لا شيء جديد، وبكوننا قد رأيناها من قبل لكن يـُعاد إنتاجها بحداثة وبشيء من التجرد، الأمر الذي يُولِّد لدى الزبون حسّاً بالألفة.

وبالتعمق في هذه الظاهرة نجد أنها لم تأت اعتباطاً وإنما نتيجة لدراسة تجريها سلسلة تلك الشركات الأخطبوطية، والتي تقوم على التعمق العلمي في سيكولوجية الزبون، الدراسات التي قادتها لأهمية تلك «العادية»، إنها ببساطة تعد أجواءً تخاطب القاعدة العريضة من الجمهور، تجذبهم بتوفير ذلك الجو من الألفة، الألفة التي تشكل طُعْمَاً يهوون إليه بلا مقاومة، لذا وأينما وُجِدْت تجد تلك المطاعم غاصة بالزبائن من كل الطبقات الاجتماعية؛ لأن الدراسات قد أثبتت أن نسبة من أفراد الطبقة الوسطى والفقيرة خاصة تشعر بالرهبة أمام المحلات العامة ذات التصميمات الموحية بفرط الرفاه والخصوصية، وبالتالي يحجمون عن دخولها. لذا تلجأ سلسلة مطاعم الوجبات السريعة لتوفير أجواء بعيدة عن الخصوصية، ويمكن أن نطلق على تلك السياسة التصميمية بـ»سياسة التخفي في العادية»، وأن مردودها لا يُحَدّ بجذب المستهلك وإنما يتجاوز لمردود تأملي، لأن الوجود في تلك الأماكن يُشعر الفرد بأنه محاط بلا شيء يلفت الانتباه، هناك تهميش مُتَعَمَّد للخارج مما يدفع الفرد للتوجه للداخل، للتأمل، إنها أماكن تقودك لذاتك، مثلها مثل المدن الصغيرة أو الريفية، والتي لا تشكل الإثارة التي تشكلها المدن الكبيرة بتألقها، المدن الصغيرة تقدم مشهداً عادياً متكرراً، الأمر الذي يقود الفرد لتهميش الخارج والالتفات لدواخله، مما يذكرنا بقصيدة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو «Arthur Rimbaud» والمسماة «المدن Villes»، يقول في القصيدة:

«أنا الطارئ المحتفي بالمدن الكبيرة الحديثة، أنا ابن وحشية هذه المدن الحديثة»..

“Je suis un éphémère et point trop mécontent citoyen d’une métropole crue moderne.”

«أنا الطارئ لا أملك إلا أن ألحظ هنا مفعول هذه المدن الصغيرة، هذا الاستدراج للغوص في الذات.

هنا في المدن الصغيرة أنت لن تلاحظ أي حضور للأنصاب الخرافية، هنا - في هذا المحدود يكمن اللامحدود-، هنا، وأخيراً ترجع الأمور والمفاهيم لاختزالها، للا شيئيتها، وللتعبير ببساطة مذهلة في بلاغتها»..

«la morale et la loi sont réduites à leur plus simple expression, enfin !»