لم يعرف القرن الواحد والعشرون تنظيماً سياسياً دولياً إجرامباً مثل «تنظيم الحمدين» الذي استطاع خلال عقدين من الزمن أن يدعم الإرهاب، وينشر الفوضى، ويثير الفتن، ويحارب بماله لقتل الأبرياء وتشريدهم، وتغيير أنظمة، وبناء تحالفات إقليمية، وإعادة مطامع إمبراطورية قديمة، واستحداث جغرافيا سياسية للمنطقة، ورسم خارطتها على طاولة الأماني والأحلام.

هذا التنظيم استغل العدو والصديق والقريب والبعيد لتنفيذ أجنداته، وتعامل مع المتناقضات مع وضد في وقت واحد لتحقيق مصالحه التي لم تدم على حال، واحتضن جماعة الإخوان لتكون ذراعاً لتحركاته، وناطقاً بأفكاره، ومحرضاً على سلوكه، وهي الجماعة التي لا تزال تدين له بالولاء والسمع والطاعة أكثر من مرشدها، وتعكس في منابر الدوحة الإعلامية وسفاراتها في الخارج توجهات حمد الأب وليس تميم الابن، وهو ما يثبت أن صلاحية التنظيم لم تنته بعد رغم الضربة القاسية التي تلقاها من الدول الرباعية لمكافحة الإرهاب.

كل ما أريد الوصول إليه هنا؛ أن النظام القطري يسعى إلى تحويل أزمته الحالية من صراع سياسي بين دول تقاطعه إلى صراع ديني بين هذه الدول وجماعة الإخوان المسلمين، وهو التكتيك الأخطر في عمر الأزمة وأكثرها سخونة أن يكون التركيز على الجزء وتجاهل الكل، أو أن يكون البديل في المواجهة تنظيماً إرهابياً وليس دولة تدعم الإرهاب ككل، والدليل أن جماعة الإخوان تدافع عن قطر أكثر من القطريين أنفسهم، وفي محتوى هذا الدفاع تتقاطع خطوط بالطول والعرض للكذب والتضليل والتحريض أيضاً.

لقد تنبهت المملكة لأبعاد هذا الصراع، واستطاعت أن تضرب الرموز الإخوانية في وقت مبكر من الأزمة، وتقطع الإرسال عن أي تحرك داخلي، فضلاً عن تسمية من تخابروا مع قطر، وفضح مخططهم، وهذه رسالة أخرى من أن المعركة أصبحت مكشوفة، ولم يخرج إلى اليوم أحد للمبارزة فيها؛ لأن أي إخواني رمزاً أو هامشياً تحول إلى كائن جبان أمام قوة وحزم الأمن السعودي.

القضاء على جماعة الإخوان الإرهابية ليس أهم من القضاء تماماً على تنظيم الحمدين الأخطر، ومراقبة مصادر الأموال التي تغذيه، والإعلام الذي يسوق له، وهي المعركة الحقيقية للصراع، وليس فقط جماعة من بين جماعات أخرى إرهابية تدعمها قطر، وهو الهدف الذي لا نريد أن نحيد عنه، أو نستهلك وقتنا وجهدنا في مواجهة طرف وتجاهل أطرافاً أخرى.

صحيح أن جماعة الإخوان هي الأخطر من بين منظومة جماعات الإسلام السياسي حالياً، وهي أساس كل بلاء وفتنة، ولكن التعامل معها كجماعة يختلف تماماً عن التعامل مع مخطط دولة؛ فالأدوات مهما بلغت من مكانة يمكن ضربها من الأسفل لتتهاوى، ولكن الدول تضرب رأسها ليزول النظام ويبقى الشعب يقرر مصيره.