دور عامة الناس في معاقبة المخطئ محدود بما يُكلِّفهم به ولي الأمر صراحة، أو عن طريق تنفيذ الأنظمة المرعية، ولو كانت لكل الناس صلاحية ملاحقة من يرونه مخطئاً لكان هذا غاية الفوضى..

نحن مأمورون بحفظ ديننا وبحماية وعمارة وطننا، ومن لوازم ذلك أن كل ما هو ذريعة إلى مفسدة راجحة تمسُّ الدين، أو تُفضي إلى زعزعة أمن الوطن، فلا يسوغ لأحد منا تعاطيه كما تقتضيه قاعدة سد الذريعة المستنبطة من قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)، ومما تقتضيه الطبيعة البشرية وجود أخطاء منهجية وشرعية بين بعض أفراد المجتمع، فالمجتمعات لا تخلو من الأخطاء في أي عصر، وفي أي مكان، والواجب تجاه هذه الأخطاء أن يُتعاطى معها بفقهٍ وحكمةٍ وفق منهج الإسلام، وأن يُجتنب الإفراط والتفريط أثناء تشخيصها، فمن التفريط المبالغ فيه: عدم المبالاة بمعرفة التوجهات، وهذا منافٍ لما دأب عليه الناس منذ القرون الأولى وإلى الآن من نسبة الشخص إلى مذهبه عقدياً أو فقهياً أو فكرياً؛ ليتسنى التعامل معه وفق ذلك المذهب ترشيداً أو تسفيهاً، وإذا كان هذا سائداً على مرِّ القرون فما بالك بهذا العصر الذي يعجُّ بالآراء المتناقضة، والأفكار المتطرفة، ولا ريب أن من لم يُميِّز بين توجهات الناس اغترَّ بما يُروِّجُه بعضهم من بهرج الرؤى، وزيف النظريات، فيسترشد أعمى يُرديه في هوّةٍ، أو يأتمن ثعلباً روَّاغاً يُخاتله في أول فرصة.

وأما الإفراط في هذا الصدد فيفرز إشكالات خطيرة منها:

أولاً: اتهام الناس بأوصاف شائنة، وهذا يتنافى مع ما هو مقرر شرعاً من صيانة عرض المسلم، وسدِّ الطرق المؤدية إلى إيذائه، كما يتنافى مع الوطنية الحقَّة المستلزمة لإخلاص المودة لكل فرد من أفراد الوطن، كما أن فيه ترتيب النتائج على غير أسبابها؛ إذ لا يلزم من وقوع شخص ما في خطأ تمارسه فئة معينة أن يكون متأثراً بتلك الفئة ما لم يقتنع بالفكرة الجوهرية التي بَنَتْ عليها تلك الفئة أفكارها، فقد يكون الخطأ المشترك عارضاً لا تلازم بينه وبين الانضواء تحت لواء أي فئة، فلا داعي إلى أن نجعل ذلك اقتراناً شرطياً. ومعلوم أن شريعة الإسلام كفلت الحقوق حتى للمخطئين، بل حين فوَّضت ولي الأمر بإنزال العقوبة الشرعية على بعض العصاة ردعت ألسنة العامة عن الاستطالة على المخطئ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ».

فدور عامة الناس في معاقبة المخطئ محدود بما يُكلِّفهم به ولي الأمر صراحة، أو عن طريق تنفيذ الأنظمة المرعية، ولو كانت لكل الناس صلاحية ملاحقة من يرونه مخطئاً لكان هذا غاية الفوضى.

ثانياً: تفرقة المجتمع، وفتح أبواب يلج منها الأعداء للطعن والإزراء بالمجتمع، ولا تقتصر مفسدة ذلك على ظلم شخص بعينه فحسب، بل هي فوق ذلك تعكس عن المجتمع صورةً سيئةً مفادها تفكك المجتمع، وانقسامه لأحزاب وجماعات، وهذا ما لا يصح، فمجتمعنا - بحمد الله تعالى - مجتمع التماسك والاعتصام، والتعاضد والتعاون، والنزوات الحاصلة من بعض أفراده يمكن التعاطي معها وفقاً للنظام؛ بأن يتحرَّى الغيور على وطنه، فإن تبيَّن له اعوجاج فرد بعينه تعامل بذلك بما تنصُّ عليه الأنظمة، فيكون قد وضع الأمور في نصابها بشرط أن يكون ذلك غيرة على المجتمع، وإخلاصاً لولي الأمر بحيث لو قدّر أن المنحرف ابن للغيور، أو أخ له، أو صديق لوقف منه ذلك الموقف إيثاراً للمصلحة العامة على مشاعره.

ثالثاً: استغلال ذلك للمصالح الشخصية، والمنافع الذاتية، فأي عمل طغت عليه مراعاة المآرب الشخصية فقد بات عرضة للميوعة وعدم الجدوى؛ لأن الفاعل إنما يسعى في تحقيق أغراضه لا في مصلحة المجتمع، وهذا من أبشع النتائج السلبية للغلو في التصنيف الذي يتحول في الغالب إلى وسيلة للنكاية بغيره، ويغيب عن مرتكبه أن التعامل مع الخطأ يجب أن يكون وفق قاعدة المصالح والمفاسد العامة لا الخاصة؛ ولاختلال هذا المعيار وعدم صلاحيته لوزن الأمور بعدل وإنصاف ترى بعض من يتعامل به يقع في التناقض، فيُصنف غيره بسبب عملٍ ما، ثم يباشر ذلك الـمُصنِّفُ نفس العمل، فهل هذا التصنيف يشمله، أم خاصٌ بغيره، أم قضى الله جل وعلا أن يجعل تصنيفه موجهاً إليه، ووصفه منطبقاً عليه جزاء وفاقاً؟