سمعت أن شركات أميركية ألغت شرط الشهادة من التوظيف، أصبح الأمر مرهوناً بالقدرة والمهارة والموهبة، لم تعد الشهادة معياراً. صرف أربع سنوات في كلية الآداب أو الشريعة أو الإعلام لا قيمة لها عند التوظيف، أنواع كثيرة من العلم مكانها مراكز العلم نفسها أو الإبداع الشخصي كالتأليف والنشر. ثمة شهادات لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها: الطب، والهندسة، والصيدلة، والشهادات الأخرى ذات الطابع التقني. لا يمكن أن يتعلم الإنسان الطب بالفراسة أو يولد موهوباً إلا إذا كان طبيباً شعبياً إذا مات مريضه قالوا: هذا يومه. سنتأخر كثيراً قبل أن نتبنى هذا الاتجاه، فبين أيدينا مشكلة أخرى أهم.   

يتم تصنيف الوظائف في وزارة الخدمة المدنية بالمملكة على أساسات مختلفة من أهمها الشهادات، لكل شهادة مرتبة، البكالوريوس أدنى من الماجستير، والماجستير أدنى من الدكتوراه، هذا التصنيف ابتكر قبل أكثر من أربعين عاماً، وغالب الظن تم نسخه من دول عربية أخرى كما نسخنا مشكلات كثيرة.

لا أميل إلى إبطال دور الشهادات في التصنيف الوظيفي، ولكن النظر بجدية في مسألة التصنيف الأكاديمي للوظائف. الدكتوراه لا تضيف لحاملها شيئاً إلا في حال الالتحاق بوظيفة أكاديمية في تخصصه. عندما يتقدم اثنان على وظيفة مدير مستودعات أحدهم يحمل شهادة بكالوريوس آداب والآخر يحمل شهادة دكتوراه حصل عليها بعد أن أمضى أسابيع في تحقيق مخطوطة محفوظة في بيت قديم في صنعاء أو في متحف، ما المهارة التي اكتسبها سعادته من تحقيق هذه المخطوطة والتي ستعينه للاضطلاع بوظيفة رئيس شؤون الموظفين أو مدير مدرسة أو أمين مستودع في الصناعية.

الشهادة العليا لها وظيفتان: الأولى أكاديمية، والثانية إثراء الإنسان معرفته. أما أن يقدمها للترقية في وظيفة عامة فضررها أكثر من نفعها.

هذا التصنيف الوظيفي سبب في تفاقم ظاهرة الشهادات المزيفة، ولا شك أن الصحف ووسائل الإعلام أسهمت بشكل كبير في تكريس هذه الآفة.  

منذ سنوات طالبت بأن تمنع الصحف كتّابها من تصنيف أنفسهم أكاديمياً، عندما يضع الكاتب قبل اسمه كلمة «دكتور» هذا يعني أنه متخصص فيما يكتب عنه، بيد أن معظم الكتّاب «الدكاترة» يكتبون يومياً أو أسبوعياً، مرة عن الأخطاء الطبية، وغداً عن الأزمة السورية، وفي اليوم التالي عن غلاء أسعار الطماطم في سوق الشمال.

الشهادة العلمية سلطة تمنح صاحبها موثوقية، عندما أقرأ مقالاً في جريدة عن منافع وأضرار التفاح، درجة اهتمامي بالمقال تتوقف على كاتبه، هل هو كاتب صحفي أم متخصص؟ كلمة دكتور التي تسبق اسم الكاتب تؤكد لي أنه متخصص، فإذا لم يكن متخصصاً فهذا تضليل تتحمل الجريدة مسؤولية ما يترتب عليه.