يعد الذكاء الاصطناعي أحد أهم مفرزات وسائل الابتكار التي صاحبت نشأة الثورة الصناعية الرابعة والتي تشكلت أدواتها بتطور معطيات الثورة التكنولوجية والتقنيات الرقمية والأنظمة الذكية والتطبيقات البرمجية، بهدف تحسين أداء المقومات التنموية وجودة عمل كافة القطاعات التشغيلية والمجالات الخدمية والقطاعات الإنتاجية.

فهم المقصود بالذكاء الاصطناعي يرتبط بفهم ما لدى العقل البشري من مكنة التفكير ومهارة التحليل وقدرة التخطيط وجدارة التنفيذ ومزامنة ذلك بالخبرات السابقة والتجارب المتراكمة وتوظيفها في أداء المهام وتحليل البيانات وتقديم أفضل الحلول وسبل الاستنتاجات والنتائج المفيدة، عبر المماثلة بما لدى الإنسان من ذكاء باستخدام برامج الحاسب الآلي للقيام بدور مماثل يحاكي السلوك الإنساني في أداء كثير من المهن وعمل القطاعات والآلات والأجهزة في الحياة العادية ولكن بصورة ذاتية، كما هو الحال في تشغيل الطائرات والسيارات ذاتية القيادة، وكذلك البرمجيات والتطبيقات التي تقوم بتحليل البيانات ومعالجتها وصولا إلى تحقيق النتائج المرجوة.

الذكاء الاصطناعي اليوم هو لغة المستقبل في المنظور القريب جدا للارتقاء بالأداء وجودة الخدمات في الإدارة المنظومة الخدمية واقتناص الفرص الاقتصادية وإدارة المشروعات الصناعية، وتقليل الإنفاق والاعتماد على العنصر البشري الأجنبي وخلق بيئات صناعية متطورة وذات تشغيل وإنتاج عالٍ، لكن هذا الاستشراف المستقبلي يحتاج الاستعداد له بأطر وحزمة من التشريعات الفنية والتنظيمية التي تحدد الاستخدام الآمن لأدوات الذكاء الاصطناعي وحوكمة تقنياته وتطبيقاته بضوابط مهنية وقانونية تحد من مخاطر المسؤولية الناتجة عن برمجيات استخداماته، واستحداث جهاز إداري يقوم على النهوض بوسائل الذكاء الاصطناعي ورعاية شؤونه ويتولى وضع معالم استراتيجية وطنية لمنظومة مقوماته، ورسم معالم لثقافته المجتمعية والعلمية الرامية للتشجيع على الابتكار عبر التعليم والبحث العلمي، وتعزيز تضافر الجهود الحكومية للوعي بمبادئ أساسياته وتطوراته المتسارعة وتوظيفها للارتقاء بفاعلية أداء وإنتاجية كافة القطاعات الحكومية والخاصة، واستكشاف واستغلال أفضل الوسائل والتقنيات الحديثة والذكية المتلاحقة فيه للوصول بها لمصاف تقنيات الدول المتقدمة، مما سيسهم في تعجيل خلق بيئة واعدة وقائمة على الابتداع والابتكار وذات قيمة ومردود على الاقتصاد الوطني وزيادة تنافسيته وريادته عالميا، آخذا في الاعتبار ما تشير إليه كثير من الدراسات والتقارير العالمية من مؤشرات تؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يفوق الاستثمار في القطاعات التقليدية من حيث تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة في كافة القطاعات المختلفة.

محليا لم تغفل رؤية الوطن الاهتمام بتنمية البنية الرقمية لبناء منظومة خدمية وتطوير البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات وتعزيز بنية التحول التقني للمساعدة في تأسيس أنشطة صناعية متطورة تعزز البيئة الاقتصادية الوطنية، ولكن يبرز التساؤل عن غياب أي مبادرة أو توجه بتفعيل آليات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في رؤية الوطن 2030 الطموحة ومزاوجة ذلك بما بذل من جهود نوعية للارتقاء بإداء القطاعات الخدمية والإنتاجية، باعتباره أي الذكاء الاصطناعي والروبوتات رافدا سيخدم كافة القطاعات الخدمية الأساسية والصناعية، لتتكامل بدورها مع ما ننشده من تحقيق لمستهدفات رؤية الوطن الفريدة.