«رحم الله امرأً عرف قدر نفسه» عبارة لم نقدرها حق قدرها، من عرف قدر نفسه عرف كيف يطور منها، وعرف كيف يعزز نقاط قوته ويتغلب على نقاط ضعفه، وكيف يوظف قدراته أحسن توظيف، صدمني سؤال في بداية مسيرتي العلمية كمبتعث، كنت الوحيد في الصف الذي وجد صعوبة في الإجابة على ذلك السؤال، كان سؤالاً سهلاً عن نقاط قوة ونقاط ضعف كل فرد في المجموعة، تحدث الآخرون عنها بحرية ولكني عجزت وتهربت، قد يكون الإشكال في عدم مقدرتي على الإجابة هو إشكال ذاتي لا دخل لعوامل أخرى به، وقد يكون بسبب أننا لم نعتد بشكل عام أن نتحدث عن أنفسنا بأريحية، نبتعد عن ذلك لكيلا نتهم بالغرور، ولكيلا نتهم بالعجب والرياء حتى انتشر بيننا أن «مادح نفسه كاذب»، ولم نعتد كذلك أن نتحدث عن سلبياتنا بحرية بسبب مكابرتنا وخوفنا أن يتهمنا الآخرون بالعجز أو النقص، ذلك الضغط الاجتماعي الذي قد يودي ببعضنا أن يداهن وأن ينافق وأن يدعي حتى تتعدد وجوهه وأقنعته فلا يعود يميز ذاته الحقيقية من تلك التي أمام الآخرين، قد يبدو الموضوع مبالغاً فيه، ولكن لدى العقل البشري قدرة عجيبة على خداع النفس، ولا أصدق على ذلك من الانفصام النفسي الذي يجعل للشخص ذاتين مختلفتين أو ربما متناقضتين.

من يضع نفسه في موضع أكبر من قدرها يجلب على نفسه المصائب ويحرم نفسه التعلم ويتهور بلا طائل، كأن يقرر مشهور ما في وسائل التواصل الاجتماعي أن يعقد محاضرة ليخبر الناس عن قصة نجاحه، فهو يظن بنفسه أكثر مما هي عليه، ولديه جمهور رفع من شأنه وأوهمه بأن لذاته قدراً أكبر مما هي عليه. حين لا يرى الشخص نقصه، وفي الوقت ذاته، يغالي في بعض مزاياه، يعطل نفسه ويتوقف عن النمو والتطور. سبب وجود مثل هؤلاء بل وتصدرهم هو ثقتهم الزائدة والزائفة بأنفسهم، وهي لعمري ثقة «أخو الجهالة من في الشقاوة ينعم»، يثق الجاهل بنفسه بسبب أنه يرى أن علمه المحدود هو كل ما يحتاج أن يعلمه، ولم يعلم أن للمعرفة أبعاداً لا يستطيع العقل تخيلها فضلاً عن الإحاطة بها، فعدم إدراكه لذلك هو مصدر ثقته. هؤلاء تصدروا بسبب أن من يقدرون أنفسهم حق قدرها تواروا وامتنعوا عن الظهور، إلى كل أولئك الذين يقدرون أنفسهم حق قدرها فلا يقولون إلا ما يعلمون ويمتنعون عن الحديث عما يجلهون، أقول لهم كونوا كيوسف عليه السلام حين قال: «اجعلني على خزائن الآرض إني حفيظ عليم»، حين ترى أن غيرك قد أساء التصرف وعاث في الفساد، وحين ترى حقيقةً أن الحال لا يصلح إلا بك فتصدر وقاتل ولا تخجل ولا تبالي بمن يتهمك بحب الظهور، فللمجتمع مسؤولية تقع معظمها على عاتق أولئك الذين قدروا أنفسهم حق قدرها.