صدر عن (دار تشكيل) للنشر والتوزيع كتاب "عاهل آلام العالمين" للكاتب هيثم محمد آل ريس. يقع هذا الكتاب في 355 صفحة من القطع العادي، يدور أغلبها حول طقوس الكتابة، ومناخاتها النفسية، كفن إبداعي له أسسه ومبادئه، وتلك الدوافع والحوافز والعوامل السيكولوجية التي تحرض على ممارستها، والتوغل في كنهها وتفاصيله، وردود الفعل الناتجة عن ذلك كله، وتأثيراتها المتباينة على الكاتب والقارئ معاً.

وانطلاقاً من هذا المبدأ تظهر لنا دقة المؤلف في تعريفه لمفهوم (الكتابة) ومهاراتها، كأحد الفنون الإبداعية التي تعكس حياة الناس، وماذا تعني بالنسبة إليه؟ وعن أهميتها البالغة الأثر في حياته وعلاقته بالأشياء من حوله، لدرجة أنها أصبحت هاجساً تلقائياً، يسيطر على عقله وتفكيره ومشاعره، بحيث لا يمكنه الانفصال عنه، بل إنها أصبحت المعيار الفعلي الذي يقيس به المسافة بينه وبين ما يحيط به من الكائنات الأخرى، متجاوزاً بذلك المعايير التقليدية التي تقاس بها المسافة والعمر والزمن على حد تعبيره!

إنها معادلة طبيعية، قوامها أو طرفاها الأساسيان المسافة والزمن، والتي يتقن عبرها الكاتب – كمبدع – تعامله مع بيئته ومحيطه الحيوي كما ينبغي أن يكون. وحول هذه النقطة من الحالة التي تتلبس الكاتب لدى الفعل الكتابي تتجلى لنا "فلسفة الكتابة" التي ينتهجها من خلال عمله هذا والإطار العام الذي تتجسد فيه رؤيته لهذا الفن، بقوله من المقدمة: "... لقد عرفت عمري بالمسافة بيني وبين الأشياء، فعمري بالنسبة لمكتبي هو متر واحد، وبالنسبة لمكتبتي هو متر ونصف، وعندما يتعلق الأمر بالزمن فلست محدودًا فربما أكون بألف عام في لحظة، وفي الأخرى بعام واحد فقط، وفي غيرها بأيام معدودة، وربما سويعات، أو لحظات ليس إلا...".

هذا ويلاحظ القارئ تردد عبارة "عاهل آلام العالمين" كثيراً في الكتاب، وكثيرا ما يسبقها حرف نداء وكأن الكاتب يتوجه بهذا النداء لعقله أو وجوده كإنسان في هذه الحياة لمحاورته في شأن من شؤونها.

هذا الكتاب - فعلاً - يستحق أن يقرأ، لجمال لغته وعمقها وإبحارها في أبعاد فن الكتابة وسبر أغواره، واكتشاف أسراره.