لا شيء من الأفكار يظهر وينبثق من العدم، فكل ما يظهر ويحصل الآن هو نتاج تراكمي لتاريخ طويل ومعقد من المعرفة والأفكار.

فالأدب والفلسفة والنهضة الفكرية وتطور الثقافة والذهنية البشرية ما هي إلا نتاج لأعمال مفكرين وكتّاب دونت وحفظت أفكارهم في مخطوطات وكتب، ما حُفِظ منها كلما تعتق كلما أضحى أهم من ذي قبل، وما فقد منها فقد اختفت حروفه وظل تأثيره يجوب فضاء الزمن وتتوارثه العقول.

الأعمال المؤثرة الباقية من آلاف، مئات، عشرات السنين هي لأسماء مازالت إلى اليوم حاضرة وستظل بالرغم أنها وقتئذ كانت مكروهة ومنبوذة، وناصبها الناس العداء أمثال فيكتور هيغو وأرسطو وروسو وكذلك أبو العلاء المعري، جابر بن حيان، هيباتيا وحتى الرسل والأنبياء - عليهم السلام - تعرضوا للأذى والخيانة والجحود والتكذيب.

وما جعلهم يبقوا مؤثرين حتى اليوم ليس لأنهم كانوا بين أناسهم محبوبين والجماهير تعشقهم، بل لأنهم كانوا الأقوى والأفضل، فقد كانوا يقولون ويكتبون ما يعتقدون ويؤمنون به، وليس ما يعجب ويرضى به الآخرون، وقد انتصرت لهم أفكارهم أخيراً.

فأن تكون ذا شعبية ومشهوراً ليس بالضرورة أن تكون جيداً، والبحث عما يطرب له الشارع ليس هدفاً لمن يؤمن بالتغيير والتطوير اللذين لطالما تم استهجان أفعالهما وأدواتهما.

أن تكون كاتباً فمن المهم لأفكارك أن تصل لأكبر عدد ممكن من القراء، لكن لا يجب أن تكون تلك غايتك.

فاليوم بالإمكان أن تكون مشهوراً في غضون دقائق، فالشهرة لم تعد ولم تكن في الأصل معياراً للجودة، لكن المثقف الفقير والفكر الباهت يستلذ ببريق الظهور وتزايد أعداد المتابعين، يكتب ما يرغب الجمهور بقراءته، أصبح يعلم تماماً نوع الأفكار التي يوافقون عليها مسبقاً.

لا يتعب في بلاغته ولا يسخّر وقتاً في انتقاء أسلوب كتابته، يبحث عن الأسهل، الأبسط والمألوف.

فهو لا يقدم إلا انعكاساً لما هم عليه دون أن يشعروا بأنهم لم يبرحوا مكانهم بالرغم من طيرانهم إعجاباً بما قال، فقد يعز عليه أن يوقظهم من غفوة أو سبات ولهذا يستدفئ النِعاس من الناس ذلك الكاتب اللطيف.