عاد الطلبة السعوديون إلى مدارسهم كما يعودون كل عام، ستمضي السنون على هذه الحال ويتخرجون لينضموا إلى قوة العمل بعد رحلة شاقة من العلم وما تركه لهم تجار العقار والمنتفعون. أتذكر قبل سنوات بعيدة ثارت ثورة العقار، صرنا نسمع عن شيء اسمه المخططات، قطع الأراضي الكبيرة التي يتم تخطيطها للسكن والحياة، كل مخطط يتضمن شيئاً يسمى المرافق. ترجمة كلمة المرافق كما كنا نفهمها تعني مسجداً وحديقة ومستوصفاً ومدارس، مرافق طبيعية في كل مدينة عصرية. اختفى كل شيء وبقي المسجد، نحمد الله أن نجا المسجد من الاختفاء، نجاة المسجد لا علاقة لها بالبلدية أو أصحاب المخططات، معظم المساجد التي نراها اليوم عمّرت بفضل تبرعات أهل الخير.  

عندما صُممت تلك المخططات كان تفكير الناس أن المدرسة جزء من الأحياء، خطط المخططون مخططاتهم على هذا الأساس، يذهب الأطفال إلى مدارسهم على أقدامهم، عيال الحارة الذين يلعبون معهم في المساء هم أنفسهم زملاؤهم على مقاعد الدراسة في الصباح. لا يمكن أن يفكر أحد أن المدرسة في مكان والطالب في مكان لا يمكن بلوغه بالأقدام، لم يفكر أحد أن يوماً سيأتي وتصبح المدرسة رحلة شاقة وطويلة وواحدة من أسوأ ما يحدث في يوم المدينة؛ زحام وتلوث وتبديد وقت وتعطيل، مئات الألوف من السيارات تتحرك مع بزوغ الشمس ومع زوالها، كل سيارة تحمل طفلاً أو طفلين ربما يتلقيان تعليمهما في مكانين مختلفين. ظن البعض أن سبب ظاهرة الحاجة إلى السائق تعود فقط إلى حاجة المرأة له، في الواقع التوصيل إلى المدرسة يمثل السبب الأهم، أصبح السائق أكثر أهمية من والد الطفل وأقرب إليه.

كل صباح نحن على موعد مع تلوث وزحام وحوادث واستعدادات مرورية أقرب إلى استعداد الذي تبذله وزارة الداخلية في الحج مرتين يومياً، أين ذهبت الأراضي التي خصصت للمدارس داخل الأحياء؟ لمَ لا يفتح ملف المخططات من جذوره لكي نعرف ما الذي حدث؟ ربما تستعاد الأراضي التي خصصت للمدارس، ونحل مشكلات المباني المستأجرة، وتلوث البيئة، ونتخلص من زحمة مرور لا مبرر لها، ويعود الطفل للعب والدراسة مع عيال جيرانه، كما يحدث في كل مكان من هذا العالم.