القاضي العثماني ووالي المدينة يستوليان على ممتلكات موتى الحج

كان الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت مضطراً للبقاء في مكة المكرمة شهراً كاملاً بعد رحيل قوافل الحج بانتظار فرصة أخرى تسمح له بمتابعة المسير إلى المدينة المنورة أثناء تقمصه شخصية حاج مسلم العام 1814م أيام الحكم العثماني، وكان لديه الرغبة أيضاً للوصول إلى جدة ثم الانتقال إلى ينبع بحراً إلا أن الحجاز كانت في تلك الفترة في حالة قلق وترقب بسبب الإعلان عن حملة سيقوم بها محمد علي شخصياً، تساندها القبائل قرب الطائف، وما قد ينتج من فوضى خلال ذلك تزداد معها حالات السلب والنهب، وتأخرت تلك الحملة مزيداً من الوقت، عقبها تحركت قوافل الحج بما فيها الحملة التي كان يرافقها المستكشف بوركهارت إلى المدينة المنورة.

ويذكر بوركهارت في كتابه رحلات إلى شبه الجزيرة العربية أنه بعد مغادرة القافلة السورية ورجوع الجزء الأكبر من الحجاج الآخرين إلى جدة بانتظار فرصة تسمح لهم بالإبحار في السفن. بدت مكة مدينة شبه مهجورة، ولم يبق من متاجرها الشهيرة سوى ربعها تقريباً. ولم يعد يرى أي حاج في الشوارع التي كانت منذ أسابيع قليلة تضطرهم إلى شق طريقهم بصعوبة عبر الحشود التي تموج بها الشوارع والساحات. اختفى ذلك المنظر الحيوي الآن ما عدى بعض المتسولين الوحيدين الذين كما يقول رفعوا أصواتهم الشاكية الباكية باتجاه نوافذ المنازل التي ظنوا أنها لا تزال مأهولة. ثم يصف ضمنياً حال مكة قبل أن تمتد إليها أيادي الخير والعطاء التي جعلت من خدمات الحج والمقدسات أولوية قصوى منذ ذلك التاريخ الذي تم فيه ضم المدينتين المقدستين تحت لواء الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وحتى يومنا هذا، ويمكننا بحسبة بسيطة المقارنة بين ما كنا وكيف أصبحنا الآن، وهو - أي المستكشف البريطاني - يصف المشهد تلك الفترة من واقع معايشة حية، وقد غطت القذارة والأوساخ والمخلفات الشوارع، ولم يكن هناك من أحد سواء من السكان أو السلطات العثمانية بحسب قوله لإزالتها. واكتظت تخوم المدينة المقدسة بجيف الجمال والحيوانات الميتة الأخرى من تلك التي تم ذبحها أو جمال النقل التي هلكت وماتت في مكانها، والتي جعلت روائح الهواء كريهة لا تحتمل في وسط المدينة، ويضطر السكان الأصليون - المقتدر منهم - إلى مغادرتها إلى أي مكان حتى تخف الروائح، وتسهم العوامل الجوية بالحد من التلوث. ويجزم بوركهارت بأنها من الأسباب التي أسهمت حتماً بانتشار العديد من الأوبئة والأمراض. مضيفاً أن عدة مئات من تلك الجيف المتعفنة والمتحللة التي اجتذبت الكلاب وطيور الجيف والحشرات الطائرة والزاحفة ترقد بالقرب من الخزانات المخصصة لمياه الشرب، ولا يستطيع العرب الذين يقطنون في ذلك الجزء من مكة المكرمة البقاء أبداً دون أن يدسوا في أنوفهم قطعاً صغيرة من القطن التي يحملونها في هذه الفترة معلقة حول أعناقهم بواسطة خيط. لكن ذلك لم يكن كل شيء، فقد اعتاد المكيون في هذا الوقت على إفراغ مراحيض منازلهم، ونظراً لقلة الإمكانات وكسل البعض منهم على حمل بعض محتوياتها إلى خلف تخوم المدينة. فهم بالكاد يحفرون لها حفرة في الشارع أمام باب المسكن ثم يودعونها هناك قبل أن يطمرون البقعة بطبقة رقيقة من التراب فقط. ويمكن تصور نتائج ممارسة كهذه بسهولة.

ويصادف ذلك - كما يقول - أن تتم حفلات الزفاف والتطهير، حيث يجري الاحتفال بها دائماً بعد نهاية الحج مباشرة، وبقاء المكيين وحدهم، وقبل أن يتسنى لهم صرف المبالغ التي ربحوها خلال إقامة الحجاج من خلال العمل والتجارة. ثم يؤكّد مرة أخرى أنه رأى في تلك الفترة جنائز ومآتم أكثر بكثير من حفلات الزفاف؛ ذلك أن أعداداً من الحجاج الذين يصابون بالأمراض من جراء التعب والإنهاك على الطريق أو من جراء تغيرات الجو، أو بسبب الأوبئة يعجزون عن متابعة رحلاتهم إلى بلادهم، وتتركهم القوافل التي قدموا معها، ويبقون على أمل استعادة عافيتهم لكنهم غالباً ما يموتون هنا في الشارع أو أي مكان. وإذا ما كان يرافقهم قريب أو زميل فإنه يحصل على ممتلكاته يدفع جزءاً منها للقاضي العثماني، وإذا ما كان وحيداً يصبح القاضي والوالي وريثيه. ويعد هذا النوع من الميراث مصدراً مهماً في حسابات دخل السلطات العثمانية. وحينما غادر بوركهارت مكة كان هناك نحو ألف حاج بقوا في مكة، وربما ينوي العديد منهم إمضاء سنة كاملة في المدينة المقدسة حتى حلول موسم الحج في العام القادم، ونوى آخرون تمديد فترة إقامتهم لبضعة أشهر فقط.

لحظة كتابة هذا الموضوع لفت نظري خبر نشرته جريدة الرياض السبت 21 من ذي الحجة 1439هـ -1 سبتمبر 2018م وتناقلته وسائل الإعلام المختلفة يقول الخبر:

رفعت أمانة العاصمة المقدسة 51 ألفاً و800 طن نفايات من مكة المكرمة والمشاعر المقدسة حتى يوم النحر، كان نصيب المشاعر المقدسة منها نحو 15100 طن، وتواصل الأمانة أعمال تنظيف مشعر عرفات بعد نفرة حجاج بيت الله الحرام، إلى مشعر منى، حيث تم تنفيذ خطة تنظيف المشعر اعتباراً من اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك عبر توزيع الأمانة عشرات الفرق الميدانية الخاصة بأعمال النظافة في مشعر عرفات، إضافة إلى مشعر مزدلفة والحدود الخارجية لمشعر منى، وقامت بتقسيم أعمال النظافة في جميع أنحاء المشعر على الفترتين الصباحية والمسائية، وبكامل طاقاتها وذلك حتى نهاية موسم الحج، إلى جانب تخصيص عدد من فرق رش ومكافحة الحشرات واستخدام المبيدات لتغطية كامل المنطقة عقب مغادرة الحجاج.

وتتضمن عملية تنظيف مشعر عرفات القيام بإزالة المخلفات المنتشرة في الشوارع والمسارات وتفريغ الصناديق والحاويات التي تم توزيعها قبل بدء الموسم والذي وصل عددها في كافة المشاعر المقدسة إلى نحو 39 ألف حاوية نفايات ويصل نصيب مشعر عرفات منها أكثر من 40 %، إلى جانب القيام بتفريغ الصناديق الضاغطة والمخازن الأرضية المكتظة بالنفايات والموزعة في كامل المشعر. إلى ذلك يشارك في حملة تنظيف المشاعر المقدسة خلال موسم الحج 7,386 فرداً من مشرفين ومساعدي مشرفين ومراقبين وسائقين وعمال نظافة، تدعمهم 359 معدة مختلفة للتخلص من النفايات، موزعين على كافة المشاعر، ويعملون على مدار 24 ساعة خلال فترة وجود الحجيج في مناطق المشاعر المختلفة

تنظيف وتعقيم مشعر منى
مشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي يحافظ على الصحة والبيئية
أطنان من اللحوم توزع على فقراء المسلمين