عندما يكون الفنان في العشرينات من العمر تكون أخطاؤه العشوائية أقل وقعاً على الجمهور والصحافة، وتعتبر أخطاء غير مقبولة ولكنها متوقعة، لكنه عندما يتجاوز هذه المرحلة العمرية ليصبح في الثلاثينات أو الأربعينات من العمر فمن غير المقبول أن يخطئ ويكون عشوائياً في اتخاذ قراراته وتصرفاته وتقديم أعماله، التي لا يقبلها الناس معتبرين أنه في هذا العمر يكون ناضجاً ومدركاً لما يليق به وما يجب أن يقدمه.

هند البلوشي مثال حي لهذا الفنان الذي بلغ الثلاثينات من العمر بعد أكثر من عشر سنوات بين الدراما والمسرح والاستعراض، مع كبار النجوم في الخليج، ولا زالت لا تعرف ماذا تريد أو كيف تضمن البقاء في عالم الفن، الكل يسير إلى الأمام إلا هي، تعود للخلف.. دون أي مبرر!

هند خرجت فنياً من ضلع حياة الفهد، قدمتها في "الفرية" منذ "11" عاماً، هند فجرت مفاجأة متمثلة في فنانة واعدة قادرة مع الوقت والخبرة أن تصبح نجمة الجيل الجديد، لنتفاجأ اليوم تحولها غير المحترف والأعمال غير المدروسة واللقاءات التلفزيونية الكثيرة! والحقيقة، قد نفهم لماذا يتخبط الشخص الذي لا يتمتع بموهبة تُذكر، لكن أن تتخبط ممثلة موهوبة فعلياً كهند البلوشي فهو غير المفهوم على الإطلاق!

وقد يكون "البقاء" بمفهومه الجديد هو الذي يقود هند البلوشي وأمثالها من الفنانين الشباب إلى التخبط في اختيارهم لكيفية الاستمرار بالظهور حتى وإن كان عبر أماكن ليس لهم بها مقاعد، أو عبر منابر لا يمكن سماع أصواتهم، كأن تكون ممثلة "شاطرة" لكنها تلاحق تطبيقات التواصل كالـ"فاشينيستات"، وتلاحق برامج "التوك شو" فتكثر من اللقاءات والفلسفة والتنظير والانتقاد كالمصلحين الاجتماعيين، وتصدر مجموعة روائية، وتؤلف استعراضات وتنتج مسرحيات وكأنها مدرسة مسرحية فنية متكاملة! ومن ثم تصدر "فيديو كليب" لأغنية من تأليفها لا تمت للفن بأي صلة!

لماذا تقرر ممثلة "معجونة" بالموهبة أن تتحول إلى عالم الغناء الذي ليس لها فيه ناقة ولا جمل، فصوتها ضعيف وحضورها أضعف؟! هذا السؤال أجابت عليه بأنها تود أن تثبت أنها مطربة في وسط لا ينجح فيه سوى هذا النوع من الأغاني، لذا خاطبت الساحة بلونها، وكان الأولى لو قالت "صدمت" الساحة بلوني دون قناعة، ولو أن استياءها من الانتقاد يثبت العكس تماماً!

وقد يفسر غياب النموذج عن هند البلوشي وأمثالها من الفنانين الشباب في الخليج أخطاءهم في تقدير ما يملكونه من موهبة، فالكل يريد كل شيء برغم موهبته في تخصصه الذي بدأت فيه، وتراهم غالباً يقفون جميعاً خلف الجيل الذي سبقهم والذي لم يولد بعد جيل يحل محله! بينما لو كان هناك نموذج يقتدي به هؤلاء الشباب لكانوا قدروا مواهبهم بشكل جيد وصقلوها واهتموا بها وكرموها عبر أعمال تليق بها، تماماً كما يحدث في الخارج.

الممثل الشاب الموهوب حقاً قد يغيب لسنوات ومن ثم يطل عبر عمل واحد يضع فيه إمكانياته جميعاً ليظل محور نقاش بين الجمهور والصحافة طوال سنوات، لذلك من المستحيل أن ترى ممثلاً موهوباً جداً يتحول للغناء، أو العكس، لأن المهم هنا ليس البقاء، وإنما تسجيل أرشيف خاص بهم في حركتهم الثقافية!