أكد الباحث الدكتور صالح بن سعد اللحيدان أن سياسة النشر في المملكة والوطن العربي بشكل عام يشوبها بعض الجمود والتقليدية وعدم الانفكاك من قيود الربح والمحسوبية لصياغة منهج واضح في صناعة الثقافة والتعاطي معها، مورداً تسعة أسباب محورية ساهمت بشكل أو بآخر في رداءة النشر والتوزيع، مطالباً بوضع حد للكثير من التجاوزات في سبيل نشر ثقافة أصيلة ومتينة تنهل منها الأجيال علومهم ومعارفهم.

وأضاف من خلال تعقيب بعث به لـ»الرياض» بشأن ما نشرته يوم السبت 21 من ذي الحجة 1439هـ، 1 سبتمبر 2018م تحت عنوان «الكتاب العربي، زاد معرفي يخنقه سوء التوزيع، قائلاً: ألفيت هذا الموضوع يعالج مشكلةً لم تبرح مستديمة منذ أمد بعيد ولا يختص هذا الموضوع في كتاب معين أو ثقافة معينة أو نشرة معينة، فقد لاحظت منذ ثلاثين سنة مضت إلى اليوم أن هناك رداءة في التوزيع والنشر بصفة عامة، ومن خلال معالجة هذا الوضع الذي أقلقني وأقلق كثيراً من العلماء والمثقفين وصناع النقد، لأنني أرى أن الأمر يحتاج إلى ضربة لازب كي يتحرر النشر من رابطة التقليد والسير عبر مكانك راوح.

إن العلم المتكىء على قاعدة صعبة والثقافة المتينة والأدب الرفيع والآثار الصحيحة، إنما هي غذاء للعقل، كما أنها بلسم للروح فهي تغذي وتثمر، وقد قيل «قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت»، وقيل «قل لي ماتحويه مكتبتك أقول من أنت»، وقيل «ماذا تعلم أقول كيف تكون»، ولعله من المؤسف جداً وكما علمت ووصل إلى مسامعي وأدركته من خلال تجواسي الديار وريادتي المكتبات في أكثر من بلد عربي ومشاركاتي في بعض الأطروحات وجدت أن من أسباب رداءة التوزيع ورداءة النشر مايلي:

أولاً: ما استغنى به كثير من العلماء والمثقفين وسواهم بالإنترنت وسبل التواصل الاجتماعي فهذا عطّل لديهم ملكة الاقتناء والتدبر والتهميش.

ثانياً: ضعف إرادة الإقبال على الاقتناء للكتاب وتصفحه. 

ثالثاً: ضعف الهمة في الوصول إلى الغاية السامية من خلال نشدان ثقيل العلم وثقيل الثقافة. 

رابعاً: وهذا وجدته كثيراً رداءة الطباعة في بعض دور النشر التجارية. 

خامساً: ضعف التوزيع العام على الأمكنة التي يجب أن يكون التوزيع فيها متواجداً.

سادساً: نشر كل كتاب بما فيه مما هب ودب والأولى أن يكون في كل دار نشر نخبة ممتازة لمعرفة الجيد من الرديء، مما يراد نشره وتوزيعه لأنني قد رأيت أن هناك آثاراً ضعيفة ورأيت مجرد النقل وأحياناً وجدت السطو بروح ذكية. وهذا الأمر شبه منتشر لكنه يحتاج إلى دقة وقوة ملاحظة من قبل دور النشر. فلا يطبع كتاب أو رسالة إلا بعد عرضها على النخبة التي تمتاز بمعرفة الآثار ولديها قوة وعموم إطلاع. 

سابعاً: ضعف الهمة لدى القارئ لأن هناك من العلماء وهناك من المثقفين مع الأسف الشديد من يوكل غيره سواء فرداً أو مجموعة أن يحضر له البحث أو البحوث التي يريد، من دون اعتبار للضبط والدقة، وحسن الاختيار وهذ النقطة وجدتها في بعض البلاد العربية، فتقدم مبلغ من المال لكي يتم تحضير ما تريد من كتاب أو كتب وهذا قد إنجر على بعض رسائل الماجستير والدكتوراه ولا جرم فهذه مسألة يجب أن يتنبه إليها الساسة في كل دولة عربية خصوصاً في المجامع العلمية، ووزارات الثقافة ووزارات الإعلام. 

ثامناً: هناك مشكلة ثقافية عامة وهو أن كثيراً من الشباب الذين هم في الثلاثين فما دون قد انصرفوا كما قال بعض المشاركين في الطرح، إلى الفضائيات يتابعون من خلالها مايقتل الوقت لديهم من دون تنبه إلى قيمة العمر وقيمة الزمن وهذا أوجد لديهم عادة سيئة أنهم ينشدون البديل الذي قد يقتل، وصرفهم هذا عن القراءة واقتناء الكتب. 

تاسعاً: رداءة التوزيع العام سواء في الدولة الواحدة أو في الدول المتعددة فهناك دور نشر تعتمد التوزيع على مكتبات خاصة، ونوادٍ خاصة، وهذه نقطة سيئة لأن هذا يوحي أن الذي يقوم بالتوزيع من خلال دار النشر يقصد أول مايقصد الربح المادي بينما الأصل تركوه وهو إشاعة العلم ونشر المعرفة التي تغذي العقل والروح معاً.

ولذلك أناشد وزراء الإعلام والثقافات والمسؤولين أن يكون التنبه لديهم ذا اعتبار قوي حتى تتم معالجة هذا الوضع الذي لابد من معالجته، ذلك إن نشر العلم ونشر الثقافة كلاهما كالهواء والماء لا غنى عنهما للإنسان. 

كم أقدر لـ»الرياض» ماطرحته حول هذا الموضوع راجياً من كافة المسؤولين القيام بدورهم في هذا الوضع الذي لابد من معالجته.