الدين يعبر عن الغاية، والفن عن الجمال، والعلم عن الكيفية..

العلم يبحث عن السبب، والدين عن المسبب، والـفـن عن روعة النتيجة..

الفـن يعـبر عن حــالة الخلق، والدين عن الهدف من الخلق، والعـلم عن طريقة وآلـية الخلق..

قد لا يتفـق الثلاثة، ولكن لا يفترض بهم التصادم أبداً.. الخلاف بينهم ناجم عن قـصر النظـر والتعـصب للمفهوم وتجاهـل طبيعة البشر.

فـالفنون، والتساؤلات، ومحاولات الفهم، طبائع متأصلة في النفس البشرية لدرجة تكاد تكون غريزية.. كانت موجودة حتى لدى الإنسان البدائي حيث ترافقت تساؤلاته عن طبيعة الخلق وهوية الخالق مع التعبير عنها بالرسم والفنون الجميلة.. ليس أدل على ذلك من تعلم الإنسان الرسم قبل الكتابة، والنحت قـبل صنع الأسلحة، والغناء قبل اختراع اللغات ذاتها.. الكتابة لم تخترع إلا قبل 3000 عام، في حين تؤكد الرسوم الحجرية (في كهوف كانتبيرا الاسبانية) أن الإنسان مارس الرسم قبل 40,000 عام على الأقـل.. لغاتنا الحالية احتاجت إلى آلاف السنين كي تتبلور وتنضج بشكلها الحالي، في حين لم يحتج الإنسان البدائي إلا لطبلة وصوت جميل للتعبير عن مشاعره الداخلية.. لهذا السبب لا يوجد شعب لا يغني، ولا حضارة لـم ترسم، ولا مجتمع لا يملك ديناً يجيب على تساؤلاته الحائرة..

يحدث الخلل حين يحاول العلم لعب دور الدين، وحين يحاول الدين تفسير سلوك الذرة، وحين يحاول الاثنان فرض مفهومهم الخاص للفـنون.. يتحول العالم إلى أيديولوجيا كريهة حين يتعـرض لمعتقدات الناس، ويتحـول الدين إلى كومة مغالطات حين يفتي في الطب والهندسة وتقنية النانو.. أما الفنون فتتراجع إلى أدنى مستوياتها حين يرفضها الدين أو تقررها الأيديولوجيا - ولكنها لا تختفي نهائياً كونها وسيلة تعبير عفوية لا يمكن كبتها أو إلغاؤها حتى في أكثر المجتمعات تزمتاً.

توزع البشر بين باحث، ومتسائل، وعاشق، يخلق منهم علماء، ومتدينين، وفنانين يملكون حساً مرهفاً.. ولهذا السبب لا يمكنك خلق مجتمع يعيش حـالة رهينة كاملة، ولا مجتمع لا يؤمن فيه أحد بإلـه وديــن.. فشلت طالبان وداعـش في الأولى (وعادت الفنون للازدهار بعـدهما)، في حين فشلت الأنظمة الماركسية في الثانية (فعادت دور العبادة للامتلاء بعد إلغائها)..

كثير من العباقرة أدركوا حتمية وجود مسارين منفصلين (للعلم والدين) وكانوا أكثر عقلانية من تأييد التصادم بينهما.. آينشتاين (رغم أنه لا يؤمن بأي ديانة) قال: «العلم دون دين أعرج، والدين دون علم أعمى».. والفيلسوف الفرنسي فولتير تطوع (رغم أنه ملحد) لبناء كنيسة لأهالي فيورني - وحين أخبره صديقه أنه لم يعد يؤمن بوجود الله اكتفى بقوله: «إذاً لا تخبر زوجتك فتخونك، ولا خادمك فيسرقك»..

أمــا الفـن؛ فيظل الأخ الأصغر الذي يتراجع حين يتصادم الاثنان.. يبتعـد دائماً عن مواطن الصراع وينشغـل سراً في البحث عن مواطن الجمال.. غير أنه بدوره لا يسلم -مثل الدين والعلم- من مرتزقة يتاجرون به ويعـتاشون عليه ويستغلون تعـلق الناس به.. لهذا السبب من الخطأ الخلط بين الفـن والهبوط الفني، أو الموسيقى (كتعبير إنساني) وحفلات ماجنة تتضمن موسيقى وغـناء.. الفرق بين الاثنين مثل الفرق بين فيلم إباحي لا يحتاج لموهبة وتحضير، وبين فيلم سينمائي جمع الفنون الستة؛ اللغة، والأدب، والغناء، والأداء، والمؤثرات الفـنية (ولهذا السبب وصفت السينما بالفن السابع)..

لم أكتب هذا المقال لإيضاح الفرق بين الديـن والفـن والعـلم فـقـط؛ بــل والتأكيد على حتمية تواجد الثلاثة في أي مجتمع واستحالة إلغاء أحدهما بشكل نهائي.. راجع التاريخ، وقارن بين الحضارات، وتفحص أحوال الشعوب، لن تجد مجتمعاً مؤمناً بالكامل، أو مقتنعاً بالكامل، أو خالياً من الفنون بالكامل - أو نجح في طمس أي منها بالكامل..

حتى بعـد ألف عام من الآن؛ سيبقى هناك متدينون يتساءلون عن غـاية الخـلق، وعـقلانيون يبحثون في أسباب الخلق، وفنانون يعبرون عن حالات الخلق.. وطبعاً.. مرتزقة يحاولون لعب كل الأدوار..