أمس حلقت في سماواتنا أسراب هائلة من الحمام الأبيض، وطافت في شوارعنا فراشات بيضاء وزرقاء ملونة، واجتاحت أرواحنا نوبات فرح عارمة، وانتفضت أرصفتنا من سباتها البليد، لتستقبل فلذات أكبادنا، وهم يمتشقون حقائبهم المدرسية، إنه يوم فرح تاريخي عميق وعظيم، إنهم جيل المستقبل يا سادة، هل تفهمون ماذا يعني جيل المستقبل؟ يعني أن هذا الطفل المترنح بحقيبته أمامكم، سيصبح يوماً ما طبيباً ناجحاً، يفتح بمشرطه قلوب أهلكم وأحبتكم، أو طبيباً فاشلاً يجعل من أرواحكم حقلاً لتجاربه البليدة، هذا الطفل سيصبح رجل المرور المحترف، الذي يحلق بشوارعكم، أو يربكها ويخنقها، وسيصبح المهندس الذي يوفر لكم الوقت، والجهد، والمال، أو يحملكم أموالاً طائلة، نتيجة فساده وأخطائه الهندسية الفادحة..

هذا الطفل الصغير بحقيبته الكبيرة الذي أمامنا اليوم، نستطيع أن نجعل منه عالماً يحلق بنا إلى فضاء المريخ وزحل، أو جاهلاً يدفع بنا إلى أعماق الأرض مكرهين، هذا الطفل يا سادة هو الذي جعل اليابان تقوم من كبوتها وهزيمتها المرة، هذا الطفل يا سادة جعل أميركا تتسيد العالم في الفضاء والثقافة والصناعة، هذا الطفل سيصبح أنموذجاً للمحبة والسلام، ويمكن أن يصبح من أطفال الأحزمة الناسفة..

هذا الطفل هو رهانكم للمستقبل إذا ما أحسنتم تربيته وتعليمه، أيها المتخندقون وراء عاهاتهم السسيولوجية، والسيكولوجية، والفسيولوجية وحتى البيولوجية، اصحوا فقد بلغ السيل الزبى، وأنتم تهدرون السنين تلو السنين من أعماركم ومقدرات أوطانكم في الإنفاق المجنون، الإنفاق على الملذات الزائفة..

اتركوا كل شيء وانكبوا على تعليم وتأسيس هذا الطفل الذي سيعبر بكم نحو المستقبل، وسيعفيكم من لعنة التاريخ، تلك اللعنة المدوية التي ستلاحقكم وتعذبكم ما حييتم، إذا ما أهملتم تربيته، ورعايته، وتعليمه، وتركتموه للترهات الفارغة التي أكل عليها الدهر وشرب، اصحوا قبل أن يتجاوزكم الزمن ويفوتكم القطار، وأنتم تتباهون في قضايا تجاوزتها المجتمعات بألف سنة ضوئية..

هذا الطفل هو مستقبلكم فحافظوا عليه، لا تتركوا ملابسه ممزقة أو متسخة، لا تجعلوا ضحكته خافتة وروحه طافية، لا تجعلوه أسيراً للوحدة يقضم أظافره بأسنانه ليدخل شيئاً فشيئاً إلى عالم الاكتئاب، والغموض المخيف نتيجة الإهمال والوحدة القاتلة، وأسفاركم البطوطية الغامضة، وتتركوه فريسة للوحدة القاتلة، إنهم أبناؤكم وفلذات أكبادكم.