كان اكتشاف الصورة الكمية للعلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي على أيدي اقتصاديين محدثين منهم «ويليام شولتز» و»دينون وسولو»، رغم أنه لا يوجد رأي موحد بين رجال الاقتصاد فبعضهم يرى أن التعليم استهلاكاً صرفاً.. وبعضهم يراه استثماراً صرفاً متمسكاً بمفهوم الصفة الاستثمارية للإنفاق على التعليم؛ لأنه يتيح الفرصة لزيادة الدخل الذي يمكن الحصول عليه.

ويُعبر عنه كذلك بالمعادلة التالية «حينما يستقطع الأفراد جزءاً من أموالهم وينفقون على التعليم الذي يتيح لهم إمكانية العمل بصورة أكبر في المستقبل فإن ذلك يعني أن هؤلاء الأفراد إنما يستثمرون هذه الأموال في ذواتهم»، وكما يراه شولتز «إن مستوى التعليم وحجم الإنفاق على الدراسة يزيد من دخل الفرد المتعلم في المستقبل وكلاهما في مجال استثمار!».

وفي المنعطف نفسه، نجد أن هناك قضايا أدت إلى نمو رأس المال الخاص في مجال التعليم، مع الطفرة السكانية خلال المئة سنة الماضية، فقامت العديد من الحكومات بتنفيذ استثمارات كبيرة وقفزات هائلة في كمية التعليم ونوعيته خلال العقد الأخير؛ ما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على التعليم عالي الجودة، والذي أدى بدوره إلى حاجة إشراك القطاع الخاص في قطاع التعليم، مما أدى إلى ضخ رأس المال الخاص وجعله قادراً على دعم النمو والابتكار في مجال التعليم، ومن ثم سدّ الفجوة الناجمة عن الزيادة السريعة في الطلب على التعليم عالي الجودة.

وطننا اليوم وبتحوله ورؤيته، يسعى سوق التعليم فيه إلى صنع فرص استثمارية بقيمة 1.4 تريليون عند بلوغ العام 2020م، ويتطلع إلى استثمار التسارع المبهر في إنتاج البحوث والاختراعات في مجال تطوير التعليم وفي الأجهزة التقنية التي تزيد من فاعلية عملية التعلم، وعملية نقل المعلومة وتبادلها وتوصيلها للمتلقي، وهذه خطوات مهمة توفر فرصاً استثمارية فريدة للتعليم وفتح آفاق جديدة في تطوير قطاعاته.

بقي مع ذلك أن نضع حسباناً أولاً وأخيراً، إلى «رأس المال البشري»، الكنز المدفون والذي اكتشفه العالم وحقق من خلاله أقصى درجات التنمية وتحقيق الرفاهية، إنه استثمارٌ في عقول الأجيال واكتشاف لكل إمكاناتهم المتاحة واتجاهاتهم لرفع طاقاتهم الإنتاجية وبالتالي طاقة المجتمع الكلية نحو إنتاج المزيد من السلع والخدمات التي تحقق الرفاهية والتطور المستمر.

يقول الفلاسفة: «صناعة الفضاء والمستقبل تبدأ من عقل طفل متعلم»، بشرط الاستثمار فيه وتحفيزه ووضعه في السياق التعليمي المناسب لطموحاته وتطلعاته.. إنه رأس المال البشري، ممّن عادوا لمقاعد الدراسة قبل يومين!