اختارت القيادة المصرية أن تلجأ للتاريخ السياسي والاقتصادي مع الاستعانة بالعلماء والمُفكرين المصريين؛ لغرض إحداث التطوّر والنهضة، إذ إن تاريخ قناة السويس ارتبط بكل ذهن مصري..

للتاريخ الفكري شجون بقدر ما يحمل من نور، المفكر ربيب الفلسفة، يحمل لواء المعارك ولو كانت مزمنة، سواء كان رجلاً أم امرأة، إن المفكرين هم بمثابة هدايا للأمم وما على البشر إلا أن يشكروا الله على هذه الهدايا، فما إن وجد مفكر على أرض ما إلا وقاتل فكرياً من أجل إعمارها، هذا القتال الذي يُطيل سُلطة السياسي، ويُوقد رجل الاقتصاد، ويُلوّن الحياة بالفن والأدب، ويبني الرؤى الاستراتيجية للعسكري «كالبارود للجيوش»، المفكِّر يشعرنا بقيمة الحياة المفقودة في أذهاننا.

ثم إن المفكر يرحل بسلام لا بحرب، وبهدوء لا بفوضى، دون مقدمات ودون وداع، كاختطاف طائر من الأرض، إلى أقصى السماوات. يموت المفكِّر دون اكتفاء، يا تُرى أي نوع من الشقاء عاش به!

كل الأُمم مرّت بمراحل فكرية مُتشابهة إلى حد كبير، وتختلف كل أمة في صياغة نهضتها الفكرية والسياسية والاقتصادية، فمن الأُمم من تصيغ نهضتها بالاستعانة بمُفكّريها، ومنها بالسيف ومنها بالتاريخ، ومنها بالعُلماء والخُبراء، تماماً كما تبنّى نابليون مُهندساً لإنشاء قناة السويس العام 1798م مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر، إلا أن تلك الخطوة لم تنجح، وفي العام 1854م استطاع دي لسبس إقناع محمد سعيد باشا «والي مصر» بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، وقد استماتت الحكومة الفرنسية حتى تُنشئ هذه القناة فهي لا تحتمل رؤية بريطانيا تتغلغل في القارات تحت ذريعة الاستعمار، تكاد تشعر بالغبن والقهر حينما ترى بريطانيا تتربّع على عرش السياسة والاقتصاد بفعل ما تجنيه من الاستعمار والمشروعات الاقتصادية الضخمة في البلدان المستعمرة.

وعلى أي حال استغرق بناء القناة 10 سنوات (1859 - 1869) وساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، مات منهم أكثر من 120 ألف أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة، كما ذُكر في العديد من المصادر، وقد مُنحت فرنسا الكثير من الامتيازات بعد الانتهاء من المشروع، كان أبرزها مدة امتياز ما تقارب الـ 99 عاماً تبدأ من اليوم الأول لافتتاح القناة وتصبح بعد الـ 99 عاماً ملكاً للحكومة المصرية.

وقد مرت على قناة السويس ظروف ومحن بسبب تنافس الساسة، الأمر الذي تسبب بإغلاقها عدة مرات حتى قام الرئيس الراحل أنور السادات بإعادة افتتاحها في العام 1975م بعد حرب أكتوبر، ثم شهدت القناة بعد ذلك عدة مشروعات لتوسيع مجراها وقد بدأت منذ العام 1980م. وتعتزم اليوم الحكومة المصرية تحت رئاسة عبدالفتاح السيسي أن تقدّم مشروعاً جديداً لقناة السويس بطريقة مُختلفة. الرئيس السيسي يُدرك حتماً التاريخ الذي ارتبط بقناة السويس، ويُدرك صمود المصريين أمام التحديات التي حاصرتهم بها القوى الاستعمارية، فقراره بتبني ومن ثم السعي لتنفيذ هذا المشروع يُعد من القرارات الذكية فهو من خلاله يُحقق مجداً يُضاف لتاريخ شعبه ثم إحداث توازن سياسي مبني على القوة الاقتصادية الحُرَّة لا المُقيدة بامتيازات ونحوها، ففي السابق كانت تُهيمن عليها القوى الاستعمارية.

هنا تظهر لنا حنكة القيادة المصرية في صياغة نهضة البلاد، فالتاريخ مليء بطُرق لصياغة النهضة كما ذكرت أعلاه، فاختارت القيادة المصرية أن تلجأ للتاريخ السياسي والاقتصادي مع الاستعانة بالعلماء والمُفكرين المصريين؛ لغرض إحداث التطوّر والنهضة، إذ إن تاريخ قناة السويس ارتبط بكل ذهن مصري، فقد ذاقوا ويلات وذُل الاستعمار بسببها وقد سُلبت منهم أرضهم وخيراتها عنوةً لعقود من الزمان، مع العلم أن القائم على تنفيذ المشروع هم المصريون ذاتهم، بسواعدهم وعرق جبينهم، باختلاف دياناتهم ومذاهبهم، جمعهم هذا المشروع الوطني الضخم الذي ارتبط بتاريخ ذي شجون، لكنه حتماً المستقبل سيكون الأفضل، ثم إن الشعب المصري يتوق لتنفيذ هذا المشروع حُبا للوطن، وما حُب الوطن «شعارات» إنما سلسلة لا مُنتهية من الأفعال التي تقود للنهضة.

بينما اختارت الحكومة الفرنسية أن تُحدث نهضة وتوازناً سياسياً واقتصادياً من خلال مسافة نفوذ استعمارها، وبرأيي أن قرار الحكومة الفرنسية لم يكن خياراً أمثل خاصةً وأنها خارجة من براثين الثورة الشهيرة 1789م، كان الأجدر والأولى أن تستعين بعقول مُفكريها في سبيل القيام بهذا التوازن «السياسي والاقتصادي» كان الأولى أن تنشغل بالداخل، فالنهضة لا تُسلب من الخارج إنما تولد من الداخل، بينما وكأن القيادة المصرية قد تبنّت المبادئ الأساسية لنظرية الاختيار العقلاني والتي اشتقت من النظريات الاقتصادية الحديثة في علم الاقتصاد السياسي مع اختلاف المُسلّمات وتشابُه القرار بعقلانية النظرية.

نموذجان من صياغة النهضة السياسية والاقتصادية؛ الأول سعى للهيمنة بطُرق غير مشروعة، والآخر سعى للهيمنة بطُرق أكثر فاعلية داخل حدود وطنه وبطريقة ذكية، فقد استفاد من حماسة شعبه في تطوير قناة السويس وحتى لا يُعيد التاريخ نفسه، لم يُجلب من الخارج ما يطورها بل بسواعد أبناء الوطن، كما أن اختيار وقت تنفيذ المشروع كان موفقاً ويُعد جزءاً من الاستراتيجية الخاصة في الأمن القومي..

هكذا تُصاغ النهضة والنقلة الاقتصادية والسياسية التي –بلا شك- هي شريان التطوّر الفكري للشعب، ومن ثم الأُمة،

فقناة السويس أضحت اليوم تُقاس بعمقها التاريخي بقدر ما تُقاس بمكانتها السياسية والاقتصادية، فالقادة يصنعون من التاريخ والجُغرافيا اقتصاداً ثم قوة سياسية وفكرية!