أبـو جـوّاليـن..!

استخدام الشخص لجوّالين يكشف عن تعلق كبير بالتقنية
تحقيق - مصطفى الشريدة

لوحظ في الفترة الأخيرة أن كثيراً من الناس لديهم هاتفا جوال وربما أكثر، فهل الأمر يستدعي ذلك؟، خاصةً أننا نشتكي من التأثير السلبي لأجهزة الاتصال في علاقاتنا، كما أن استخدام جوّالين سيكون مكلفاً على الشخص وسيزيد من تعلقه بالأجهزة وبالتالي انطواؤه وتفضيله الوحدة.

وعلى الرغم أن هناك من يكون مجبراً على حمل جوّالين، شخصي وآخر للعمل، إلاّ أنه يوجد من يفعل ذلك من أجل المباهاة والتفاخر، وكأن حمل جوّالين سيسهم في رفع منزلته بين أفراد المجتمع، وهنا لابد أن يكون الشخص واعياً بأن أهمية الجوال تكمن في تسهيل اتصالاته مع الآخرين، وكذلك استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ولا يلزم أن يكون معه جوال آخر.

ثورة تكنولوجية

وقال أحمد السعد -اختصاصي اجتماعي-: إنه في الغالب هذا ما يطلق عليه الثورة التكنولوجية وهي الانتقال من الورق ومن ذاكرة البشر والاستعانة بالتقنية التي كثيراً ما تساعد على ترتيب وتنظيم بعض الأمور دون الحاجة إلى جهد بدني أو جسدي كبير، الأمر الذي يجعلنا نشاهد الكثير من المسؤولين أو من لديهم ارتباطات مهنية يقومون بحمل أكثر من جهاز إلكتروني وليس فقط جوالين (جوال، لاب توب، نوت أو آيباد)، مضيفاً أنه يأتي موضوع استخدام جوالين لعدة أسباب منها أن بعض المؤسسات تقوم بمنح بعض موظفيها شرائح للاتصال لعدم تحمل الموظف أعباء مالية تلقاء المكالمات التي يجريها لتسيير العمل، والسبب الآخر أن بعض المسؤولين يخصص جوالاً للعمل وجوالاً آخر للأسرة وللحياة الخاصة، أي بمعنى أن الجوال الخاص بالعمل يكون فقط خلال أوقات العمل، مبيناً أنه من الطبيعي جداً أن كثرة استخدام التقنية والجوالات قد يسبب للشخص الانطواء، وهذا الانطواء يصنف غالباً بأنه طبيعي، وقد يكون صحياً إذا كان مرتبطاً بمصلحة البلد وتقديم الخدمة له خلال أي وقت، ولكن قد يكون غير صحي عندما يكون لأمور بعيدة عن العمل، وهي لأهواء شخصية أو تسلية أو ما إلى ذلك.

مفاخرة وتباهٍ

وأوضح السعد أنه قد نجد من يُطالب من قبل أسرته بأن يقوم باستخراج جوال آخر مختلف عن جوال العمل، وذلك لكي يكون هناك فرصة للتواصل معه، مضيفاً أنه لعل هناك بعض الأسباب غير الرئيسة، ولكن قد تكون مبررة لاستخدام جوالين، وهي المفاخرة والتباهي من خلال الحصول على أفضل وأحدث الأجهزة الحديثة، لاسيما وإن كانت حديثة العهد من خلال أفضل الشركات كالحصول على «آيفون» أحدث إصدار والحصول على «جالكسي» أحدث إصدار، أو التباهي بوجود جهازين ذكيين دون اختلاف بالشركات، ذاكراً أنه من هنا يأتي الدور الكبير على الأسرة والمجتمع في الجانب التوعوي الذي يوضح أهمية وقيمة هذه التقنية والتكنولوجيا، الأمر الذي يتطلب إيضاحاً كاملاً لكيفية الاستفادة منها وتسخيرها للمنافع مع عدم التبذير واقتناء جوّالين فقط لمجرد التباهي أو لأهداف أخرى مبطنة.

ظاهرة سلبية

وأكد م.زكي بن عبدالرحمن الجوهر -متخصص في ريادة الأعمال الاجتماعية- على أنه وبحسب هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات فإن عدد المشتركين بالمملكة في خدمات الاتصالات المتنقلة (الهاتف النقال) فاق إجمالي عدد سكان المملكة بنسبة تفوق (36 %)، حيث أظهر أحدث التقارير أن عدد المشتركين في الخدمات المتنقلة مع نهاية العام الماضي بلغ نحو (40) مليون مشترك، وحقيقة أن تعدد الجوالات لدى الشخص ظاهرة سلبية ومكلفة إلاّ في بعض الحالات، ومن ذلك أن يخصص الشخص أحد الهواتف لتلقي الاتصالات الخاصة بالعمل، في حين يستخدم الآخر بشكل شخصي، مضيفاً أن هناك من يسعى إلى الخصوصية فتراه حريصاً على عدم إفشاء رقم هاتفه الجوال الخاص لأيّ أحد، خصوصاً أولئك الذين تفرض عليهم طبيعة عملهم التعامل مع عدد كبير من الزبائن أو المراجعين، لذا يضع رقماً خاصاً لهؤلاء أثناء فترة الدوام الرسمي، فيما يتفرغ لحياته الخاصة بعد ذلك، مبيناً أنه قد يكون نتيجة تغيير الأرقام الشخصية أسباب مختلفة، منها رغبتهم في الهرب من أشخاص يطالبونهم بديون مالية أو إيجارات أو أقساط، في الوقت الذي يوجد فيه من يفعلون ذلك بسبب ممارستهم بعض الأمور السلبية، وخشية انكشاف أمرهم أمام الآخرين، أو بسبب الشخصية الانطوائية بالوقت الذي تقضيه منفرداً ولا تجد نفس مقدار المتعة في الوقت المنقضي، وسط مجموعة كبيرة من الناس، ولكنه يستمتع بالتفاعل مع الأصدقاء المقرّبين.

بذخ وإدمان

وتحدث عدنان العبدالله -إعلامي- قائلاً: كثرة استخدام الأجهزة أمر نشتكي منه كثيراً في مجتمعنا، حيث أصبحت الهواتف المحمولة -الجوال- تطغى على أجواء جمعاتنا وسهراتنا، بل وحتى أعمالنا، مضيفاً أن امتلاك الشخص لهاتفين محمولين ينقسم لقسمين القسم الإجباري وهو على سبيل المثال الهاتف الخاص بالعمل ورغبة الشخص بعدم استخدام هاتفه الشخصي في أعماله ونشاطاته التجارية، وغالباً مثل هذه الظروف تجبرك على استخدام نسخة هاتف قديمة تملكها ومازالت تعمل لديك، أيضاً حينما تمتلك هاتفاً يحمل شريحة البيانات -الإنترنت- وهاتف آخر للاتصال من باب توفير بذر المال على أجهزة البث المحمولة -المودم-، مبيناً أنه في الطرف المقابل امتلاك هاتفين حديثين بعيداً عن أسباب العمل والنشاطات الجانبية يعد بذخاً في غالب الأحيان أو بالأصح الإدمان على «التكنولوجيا» بشكل مخيف، كما أن تأثيراتها الجانبية في الحياة لها أمر سلبي، وبالتالي ظاهرة امتلاك جوالين ليست ضرورة للجميع، إنما هي حسب الحاجة العامة.

وذكر أنه يُفضّل امتلاك هاتف واحد فقط ورقم واحد لجميع أعماله وأنواع التواصل، سواء كان على نطاق العمل أو نطاق التواصل مع الزملاء الإعلاميين أو نطاق النشاط التجاري الخاص به، وذلك لعدة أسباب من أبرزها كرهه لحمل عدد كبير من الأجهزة في أماكن تنقله والاهتمام بالأجهزة، مشيراً إلى أنه يعد انتشار هذه الظاهرة كالحمى فقد استولى الجوال على الألباب وصار في أيدي الرجال والنساء، واختصر العالم، حيث أن الفرد يصل حيث يشاء بضغطة زر بسيطة، مؤكداً على أن الجوال وجوده في الحياة تطور وليس كما يدعي البعض هدم للحياة، لكن امتلاك هاتفين بلا سبب مقنع إنما هي حمى «التكنولوجيا».

عالم افتراضي

وقالت إلهام الجبارة -كاتبة-: إنه قبل خمسة أعوام تقريباً كنّا نتشدق بأعلى أصواتنا بمبالغة من يستخدم جوالين في جيبه ونستلمه استهجاناً وسخرية نعاتيه بالتبذير وإضاعة المال والاستعراض غير المبرر، غير متفهمين حجم أضطراره لذلك بحكم أعماله الكثيرة ومعارفه الأكثر، وها قد وقعنا في يومنا هذا بنفس الفخ وفي نفس المطب ولكن بحيثيات ولأسباب قد لا تحمل نفس المنطقية والحكمة، فقد بات الناس في عصرنا هذا يكادون ألا ينتبهوا أنهم دخلوا مرحلة متقدمة من الإدمان على استخدام الأجهزة المحمولة، ناهيك عن ما واكب ذلك من قضاء جلّ ساعات اليوم تقريباً على ذلك الجهاز لتتبع أحداث الساعة حيناً، والإدلاء بالرأي الخاص حيناً آخر، والهوس بالشهرة وإبراز الذات أحايين كثيرة، وكل ذلك ثبّت قطعاً مكانة الجوال في أيدي أحدهم واستدعاه لاقتناء آخر بل وثالث أيضاً، مبينةً أن كل ذلك قتل أهم مقومات الحياة الواقعية في حياتنا، والتي تعتمد التفاعل الحي واللقاء الدافىء وجهاً لوجه، واستبدل ذلك بالاكتفاء بتفاعلات العالم الافتراضي المتماهية في اللا واقعية واللا مصداقية، فقط لمجرد أنه سهّل التواصل مع أعراق وأجناس لا يمكن تخيل التواصل معها بغير ذلك.

وأضافت: برغم إيجابياته الكثيرة حقيقة إلاّ أنه مازالت هناك حلقة فُقدت في خضم ذلك، فبعيداً عن التكلفة المادية المرهقة جرّاء ذلك، هناك أيضاً ثمة شذوذ واضح عن مسار التمازجات الإنسانية الطبيعية؛ بسبب ذلك الانغماس والانصهار في خطوط  الشبكة العنكبوتية، وبات الناس معادلة للعالم الرقمي، مُشددةً على أنه لابد من تدارك ذلك قبل أي تداعيات مفاجأة تتحكم في من حولنا وتديرهم خلف الستار وفي الغرف المظلمة، فنحن لا نريد أن يضحى بالولاء للبعيد أكثر رسوخاً وثباتاً منه للجار والقريب، فما هكذا تُؤسس العلاقات ولا هكذا تُبنى الأمم.

عروض ومزايا

وأوضح ياسر محمد السعيد -مدير الإدارة العامة للتواصل والعلاقات العامة والإعلام والتوعية الصحية بمستشفى مدينة العيون بالأحساء- أنه على المستوى الشخصي فهو يستخدم جوّالين والحاجة التي دعته لهذا لها عدة أسباب، منها قلة التكاليف المالية والتوفير في استهلاك فاتورة استخدام الجوال، بعكس إذا استخدم جوال واحد، مضيفاً أن بعض المشغلين للجوال في المملكة يطرحون عروضاً تختلف عن غيرهم، وأنه يتزامن مع هذه العروض أن بعض الزملاء والأصحاب يستخدم مشغلاً آخر للحصول على بعض المزايا، مشيراً إلى أنه في الجانب السلبي فأكبر عائق هو وجود جهازين في متناول يد المستهلك، مما يسبب له الثقل في الحمل، وقد يؤدي إلى استخدام شاحن متنقل.

استخدام الشخص لجوّالين يكشف عن تعلق كبير بالتقنية
م. زكي الجوهر
عدنان العبدالله
ياسر السعيد












التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع