اختلف الناس في أمر العزلة والاجتماع! اختلط الرأي حدّ التطُّرف! بعض الناس لا يُطيق العزلة ولو ساعة! تُصيبه الكآبة والوسواس! لا يرتاح إلّا وسط الناس! وبعضهم يُحب العزلة! يُحّبذها! يرى فيها راحة من أذى الناس! ويرى أنّ الاختلاط بالناس يجلب الضر والألم! أو التملق والنفاق! وكأنه يردد مع الشاعر : 

(الزم العزلة تنجو

مابقي في الناس خِلّهْ

إنّ ودّ الناس أضحى

لنفاقٍ أو لِعِلّة!

و(العلة) هنا على شارعين إمّا مرض أو غرض!

وقد تبلغ به الحساسية توقع الأذى حتى في وحدته! ورغم عزلته! وكأنه يقول مع حميدان الشويعر: 

لو يجي عابد لابد له بغار

ما يحب الاذى جاه من نَخْشَرَه

الزم العزلة تنجو ما بقي في الناس خِلّهْ

فحتى الضب (اللابد) في جحره يأتي منْ يُدخل عليه حديداً حاداً دقيقاً ينغزه به حتى يخرج المسكين! فالنخشرة التحريك بطعن! شيء مؤلم! ولعلها مُحَرّفة من الفصيح (نَخَشَ) بمعنى حرَّك وقَشَّر! وهي قريبة من (القشر)* أو من (النخج) وهو (الطعن) ومنه أشتق (الخنجر) وهو مفرداً على وزن (خنشر)! وهي من لهجة الوشم (وحميدان من القصب في الوشم).. 

 وشعار مدمن العزلة مع الناس (الله يقاصرنا ويقاصرهم بالاحسان)! فهو يريد السلامة منهم فقط! وقد يكون هذا مصاباً بالاكتئاب أو الرهاب! فلا تزيده العزلة المطبقة هنا إلّا مضاعفة المرض! 

على أنّ هناك مبدعين وفرساناً شجعاناً معدودين اعتزلوا الناس وفضلوا عليهم الوحوش! والصعاليك في مقدمة هؤلاء! يقول الأحيمر السفري:

(عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذ عَوى

وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ)

وللشنفري من لاميته المشهورة:

أقيموا بني أمي صدورَ مَطِيكم  

فإني إلى قومٍ سِواكم لأميلُ 

ولي دونكم أهلونَ : سِيْدٌ عَمَلَّسٌ

  وأرقطُ زُهلول وَعَرفاءُ جيألُ !

فالسيد العملس هو الذئب! والعرفاء هي الضبع! ومن أسمائها (جبيل) وهو يفضل صحبة تلك الوحوش على صحبة بني أمه وسادة قومه! ولله في خلقه شؤون! 

حتى المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس يقول: 

(كَلامُ أكثرِ مَنْ تَلقَى ومَنظَرُهُ  

ممّا يَشقّ على الآذانِ والحَدَقِ!) 

لو يجي عابد لابد له بغار ما يحب الاذى جاه من نَخْشَرَه

ولكن المتنبي لم يعتزل الناس وإن كان يكره أكثرهم ويرى أن رؤيتهم أَلَمٌ للعين! وسماعهم تلويث للأذن! وله في الناس رأي مخيف: 

(ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ مَعرِفتي بها

وبالنّاسِ رَوّى رُمحَهُ غيرَ راحمِ)!

أعوذ بالله!

وهناك من لا يطيق العزلة ولا يرى الراحة إلّا في وسط الناس (وهذا في العادة كثير الحديث! ولا يكاد يخلو بنفسه إلّآ وقت النوم!).. 

والإنسان اجتماعي بطبعه، ولكنّ خير الأمور الوسط، الاجتماع مع الناس -إذا أُحسن الاختيار- فيه أُنْسٌ وراحة، واكتساب علم وخبرة، واجتناب الغيبة والنميمة (فضلاً عن السباب) فهذا أفضل وأنجح، ولكن لابُدَّ من الخلوة مع النفس للحصول على الهدوء والتأمل ومحاسبة الذات ومراقبة السلوك.. على أن العصر الحديث ينقل العالم كله إلى غرفتك، لم يَعُدْ في عالم اليوم عزلة!

————

  • : القشر هو نزع الشيء في الفصحى، وفي الشعبي كلمة (أقشر) تعني كثير الشر، وتُنطق القاف كالجيم القاهرية.
قد تجد في العزلة راحة من أذى الناس