إن الإنسان ورغبة منه في إشباع حاجاته التي يصعب عليه إشباعها بمفرده من مأكل ومشرب وكساء ومأوى ودفاع عن نفسه.. إلخ كان بحاجة إلى الانتظام في تجمع إنساني أكبر وهو المجتمع «Society». وعملية العيش في مجتمع بشري أكبر ليست دون مخاطر هي الأخرى. فالإنسان معرض للخطر ليس من جانب قوى الطبيعة والحيوانات المفترسة فحسب، بل ومن جانب أخيه الإنسان.

وهنا تبرز أهمية الدولة وسلطتها لتحول دون اعتداء الناس بعضهم على بعض، وتوفير النطاق الأمني اللازم لعملية التعايش. ولقد أجمع المفكرون والفلاسفة على ضرورة وجود الدولة، ولعبها هذه الوظيفة الأمنية. فلو رجعنا إلى الفكر الفلسفي اليوناني، لوجدنا أرسطو يتحدث عن أن وظيفة الدولة تحقيق السعادة للمجتمع التي تحكمه من خلال ما أسماه «الفضيلة»، والسعادة -كما يراها أرسطو- هي توفير الأمن اللازم للمجتمع وحمايته وإسعاده من خلال ثنائية «الأمر» و»الطاعة» القائمة بين الحاكم والمحكوم. وهو ذات الأمر الذي نادى به الفيلسوف أبيقور الذي يرى أن وظيفة الدولة هي تنظيم المجتمع وإخضاعه للقوانين من أجل حماية أطرافه المختلفة.

ولم يختلف الفيسلوف المسلم عبدالرحمن بن خلدون عنهم في مسألة أهمية الدولة للحفاظ على الأمن من خلال ممارستها لسلطتها في المجتمع. يقول ابن خلدون في مقدمته: «أعلم أنه قد تقدم لنا في غير موضع أن الاجتماع للبشر ضروري، وهو معنى العمران الذي نتكلم فيه، وأنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه، وحكمه فيهم تارة يكون مستنداً إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانا بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم».

ولو انتقلنا إلى المستشرق «أرين روزنتال» لوجدناه يقترب كثيراً من طرح ابن خلدون ويطلق على هذه السلطة من قبل الدولة «السلطة الرادعة». وهذا مصداق لما جاء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن». وحتى في عصر التنوير وظهور مصطلح «العقد الاجتماعي» لتأطير العلاقة بين الحاكم بالمحكوم عند فلاسفة الغرب السياسيين، نجد الاتفاق على أهمية الدولة وسلطتها في توفير الأمن للناس وحمايتهم.

وإذا نظرنا إلى المملكة لوجدنا أن هدف قادة البلاد منذ تأسيس المملكة كان توفير الأمن. حيث يذكرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- كل ما سنحت الفرصة بهذا الدور الكبير لحكومة المملكة في توفير الأمن، والاستقرار لمواطنيها ومن يعيش على أرضها. حيث يقول -حفظه الله- متحدثاً عن الملك عبدالعزيز في إحدى كلماته بجامعة الملك سعود: «كان طموحه وهدفه منصباً على استعادة تأسيس البلاد وتوحيدها، ونشر الأمن والاستقرار فيها على أساس أجداده منذ وقت مبكر في حياته..». كما يقول -حفظه الله- في إحدى كلماته لمنسوبي فرع التحقيق والادعاء العام عندما كان أميراً للرياض: «قامت الدولة، ولله الحمد، على أساس التوحيد، وعلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله، لذلك أصبح يناط بولي الأمر أن يحقق العدالة والأمن للمسلمين والموجودين في هذه البلاد».

وفي مثل هذا النطاق يجب أن ننظر إلى مختلف الإجراءات الأمنية التي تتخذها حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين -حفظهما الله- والتي تأتي بهدف توفير الأمن اللازم لهذا المجتمع.