لفتت انتباهي مؤخرًا دراسة حديثة لمركز «سمت»، والمعني بالتطورات الحاصلة في المنطقة العربية تحديدًا، والعالم بشكل أوسع. تتناول الدراسة بشكل رشيق إسهامات وسائل التواصل في خلق مشهد عالمي مُغاير لما اعتادت عليه الجماهير فيما يخُص مُتابعة الرياضة، ومشاهدة كُرة القدم على وجه التحديد، والدوريّات العالمية ذات الشعبية العابرة للقارات، ومن شأنه أن يمد جسوراً اقتصادية بين الدول ترتكز بالأساس على الاستثمار في المستطيل الأخضر ونجومه الأعلى سعرًا. تُقدّم الدراسة لمادتها بتعريفات مميزة للقوة بوصفها «القدرة على التأثير في الآخرين»، والقوة الناعمة، واتصال هذه المفاهيم في عصرنا الحالي بشكل وثيق بالكرة.

في بداية تقاطعنا مع مواقع التواصل خاصة خدمات البث المباشر، كانت العروض أو المباريات المتداولة بين المستخدمين غير قانونية أو «غير رسمية» مقتطعة من سياقات البث المتلفز الاعتيادية، تتعجب دراسة «سمت» كيف حدث تحول فارق وأصبح البث عبر «فيس بوك» هو الوسيلة الشرعية والرئيسية لمتابعة مجريات المباريات المختلفة؟ تفسر ذلك عدة صفقات مع الموقع تُفضي إلى بث مباريات الدوري الإسباني في ثماني دول حول العالم إضافة إلى صفقة «الليغا» الإسبانية مع «فيس بوك» للسماح للمشاهدين في شبه القارة الهندية بمشاهدة مباريات ثلاثة مواسم رياضية متتالية، الدوري الإنجليزي الممتاز كذلك يبث مبارياته لموسم 2019 - 2020 مجانًا في كل من كمبوديا وفيتنام وتايلاند ولاوس بالتعاون مع «فيس بوك».

إذن بالتدريج وفي مناطق شتى حول العالم سيتراجع الدور الجوهري لشاشة التلفاز مقابل مواقع التواصل كـ»فيس بوك»، ما يحقق إتاحة استثنائية في تداول المعلومات ومشاركة الأحداث والمواسم الرياضية والثقافية بين شعوب عدة، الأمر الذي يشبه ثورة في الانصهار الثقافي، ربما تحطم عزلة بعض الدول في عالمنا بغير رجعة، من جهة أخرى ربما علينا أن نلقي نظرة على أثر ظاهرة البث المباشر على اقتصاديات المؤسسات الإعلامية الرياضية الكبرى، وهل سوف تحافظ على توازنها واستقرارها؟، في حين حرمها «فيس بوك» من ميزة «الحصرية».

رغم أنه قبل عقود قليلة، لم يكن أحد ليتخيل عرض مباريات كرة القدم على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن التطورات التكنولوجية المتعاقبة من شأنها أن تجعلنا اليوم أكثر قدرة على التصديق والتوقع لما هو آتٍ. تتنبأ دراسة مركز «سمت» بالعديد من النتائج والمشاهد المستقبلية بخصوص بث المباريات نسوق أبرزها في هذا السياق توخيًا للمفاجآت المستقبلية، فيتوقع «سمت» أن يتصدر الدوري الإسباني الدوريات العالمية الأخرى، ويتحوّل لقبلة جاذبة لإعلانات الشركات الإسبانية، في المستوى الأول لتأثير قرار البث ذاك؛ من ناحية أخرى، يتنبأ المركز بلجوء طوفان من الدوريات العالمية لعقد صفقات مشابهة مع «فيس بوك»، الأمر الذي يترتب عليه أرباح كبرى غير مسبوقة للموقع، وتنامٍ متواصل لدور التكنولوجيا كفاعل رئيسي ومحرك أساسي في الشؤون العالمية، والتي بالتأكيد لن تتوقف عند المجال الكروي، فمن يعرف ماذا سيكون ميدانها القادم..