يبدو أن فلسفة الأخلاق، التي صاحبت وجود الإنسان على وجه الأرض منذ البدء، وحددت ترقي أخلاقه مع الاحتكاك بكل جديد يقابله ما زالت مستمرة في الحدوث والنضج والتطور حسب تواجد التطورات الحياتية المبتكرة، ووضع الضوابط والشروط لذلك، مثل ما صاحب وجود السيارات ذات القيادة الذاتية، والتي تتحرك دون تدخل مباشر من راكبها.

بحوث كثيرة ونظريات فلسفية، وتساؤلات طرحت على وسائل الإعلام الغربي، واستبانات في عدد من مراكز البحث العلمية، ودراسات ميدانية لمعرفة ماذا سيكون عليه المستقبل.

معضلة السيارة الذاتية، أنها تظل آلة إليكترونية قاتلة إذا ما أسيء استخدامها، وأنه تتم برمجتها بالتوجهات والخطط الواضحة المطروحة، بحيث لا تتمكن هي من الاختيار إلا بقدر ما يتهيأ لها من ضمن معلومات مبرمجة، ومن خيارات محددة، وهي بذلك تمتلك أخلاقيات مختلفة عن أخلاقيات الإنسان، الذي كان يقود السيارة في السابق، ويميز بمشاعره، ويغير في اختياراته بكسر من الثانية، وربما يخطئ، فلا يلام على ذلك لأنه بشر يسير بما تمليه عليه عواطفه وضميره، وإذا كان الخطأ عنيفاً أو مقصوداً، فتتم معاقبته تبعاً للقوانين البشرية، التي لا يمكن تطبيقها على الآلات.

ففي حالة أن السيارة تواجه خطورة لحظية أثناء مسيرها من عدة جهات، بمن يقطع إشارة مرورية، وسيارات مقابلة، أو مرور قطار، أو غيره، فهل ستتمكن السيارة من اختيار الحل الأمثل، وبمراعاة دقائق الحدث، وهل سيكون حلها هو الحل الأمثل بالنسبة لراكب السيارة، أو لمن يتواجدون ساعتها في الشارع من السائرين والراكبين؟

فلو أجبرت السيارة على عمل حادثة لا يد لها فيها، فهل ستبرمج ذاتها لاختيار التضحية بمن في جوفها، وتلافى من في الخارج، فمن سيشتريها عندئذ؟

وإن كانت ستضحي بمن في خارجها ممن لا ذنب لهم، فعندها ستكون أخلاقياتها مشينة، وضد الإنسانية والرحمة.

وعندما تسير السيارة الذاتية في شارع، ويقطع طريقها شخص من جهة معينة، وعدد من الأشخاص من الجهة الأخرى، فهل ستختار، الشخص الواحد، أم الأشخاص الكثر لتضحي بهم، وبناء على أي أخلاقيات؟

وماذا لو كان العدد الكبير من المشاة مخالفين للمرور وقاطعين للإشارة، وأن الشخص الآخر واقف بكل انتظام عند الإشارة، فهل ستقوم السيارة بالتضحية به، لتتلافى الاصطدام بالعدد الأكبر من متجاوزي الإشارة؟

ومسألة أخرى تطرح؛ ففي حالة كون الشخص المنفرد، قريباً أو حبيباً لصاحب السيارة فهل ستغير السيارة من أخلاقياتها حتى ولو كان هو من يقطع الإشارة؟

ولنفترض أن أحد قاطعي الإشارة يركب في سيارة فخمة، أو أنه ضمن موكب رسمي، فهل ستختار الاصطدام بسيارة صغيرة رخيصة من الجانب الآخر، لتتلافى الاصطدام بالسيارة الثمينة.

وبناء عليه فهل ستصنع لنا مصانع السيارات أنواعاً من السيارات، بعضها يمتلك الأخلاق، وبعضها يفتقر إليها، وهل عندها يمكن أن تكون المنافسة بين المصانع شريفة وأخلاقية بالكامل؟

هل يمكن أن يقوم الأشرار ببرمجة بعض السيارات بما يضر بأصحابها وبمن على الطريق، بجعلها تفتعل الحوادث القاتلة؟

هل يمكن أن تسير على قدميك، أو أن تقود سيارتك بنفسك، في شارع تقابلك فيه سيارة آلية تقود ذاتها، ألن تخشى من مثالية أخلاقيتها، فتكون أنت الضحية الحاضر لها؟

وعند حدوث كارثة، فهل ستقف في المحكمة أمام آلة مسيرة مبرمجة؟ أم أن السيارة سترمي بالتهمة على من صنعها، أو على الراكب فيها، أو من لقنها أخلاقيات السير في الشوارع، وحملها ما لا تحتمل.

مأساة حدثت عندما لقيت امرأة مصرعها في ولاية أريزونا الأميركية أن دهستها سيارة ذاتية القيادة لشركة أوبر، في حادثة هي الأولى من نوعها، والحكاية لم تكتمل بعد، وستظل تتطور، وتتعدل، حتى يصل العالم إلى قناعات، أن حوادث تلك السيارات، وأخلاقياتها لا تختلف كثيراً عن طباع الإنسان.

العلم يتطور، والعقول تزيد من حرص ودقة وتعقيد التفاصيل، ونتأمل أن نستحسن النهايات، وما يترتب عليها من أخلاقيات مستحدثة. والخوف، كل الخوف، أن تسيطر الآلة على العقل البشري، وأن تقوم ببرمجة ذاتها وانتقاء أخلاقياتها، بما يتناسب مع عصر الآلة القادم.