«مع أب يعمل كمهندس للصوت لفرقة بنك فلويد Pink Floyd n وأم تعمل في أزياء العروض المسرحية، كان الاستقرار حلماً بعيد المنال، لكم تمنيت لو كان أبي رجلاً عادياً يأتي كل ظهيرة ليصطحبني من المدرسة للبيت، لكن أبي كان في رحيل دائم، يحملنا أنا وأمي وأخويَّ من مدينة لأخرى، وحتى بعد أن توفي وتركنا وأنا في سن السابعة استمرت أمي ترحل بنا وراء اللقمة، حيث كانت في بحث دائم عن عمل، ولقد كان علي أن أتقمص دوراً جديداً لاكتساب الأصدقاء في كل مدينة حططنا فيها الرحال، من هنا انبثق شغفي بالتمثيل، وبناءً على إلحاحي فلقد ألحقتني أمي بمدرسة للمسرح، كنت مثل بهلوان، ألعب دوراً جديداً في كل مكان ولكل مناسبة.»

بذلك تلخص الممثلة الشهيرة نعومي واتس طفولتها وقدرها الذي قادها لتصبح النجمة التي يتطلع إليها جمهور السينما بإعجاب، يصفونها بالكائن الذي يقف على حافة بين الحزن والبهجة، بين العمق والخفة، بين الرقة والعزيمة القوية، إنها الفتاة رمز الكفاح للبقاء والتي بدأت تمارس أعمالاً كيفما اتفق، سواء كنادلة في المطاعم أو في الإعلانات أو في أدوار ثانوية بالمسلسلات في التلفزيون الأسترالي، حتى التقت بالمخرج الشهير ديفيد لينش حين كان يبحث عمن يمكن أن تلعب بطولة فيلمه مولهولاند درايف  mulholland drive، والذي وبمجرد أن أنصت لقصة طفولتها حتى منحها دور بتي الشقراء المرحة في فيلمه الذي يبحث عن ذاكرة مفقودة، وحقق نجاحاً ساحقاً بمجرد ظهوره، ولقد حمل نعومي لمصاف النجوم، هذه الفتاة التي وصلت مهرجان كان السينمائي شبه معدمة مادياً لا تملك ما يسد رمقها ولم تدرك بأن القدر يحمل لها مفاجأة لا تخطر على بال، وبأنه سيكيل لها النجاح ليتسابق كبار المخرجين مثل وودي آلن وغيره لمنحها أدواراً في أفلامهم، ولتبلغ فتمس بروحها الجميلة الآلاف حول العالم، وفي تصريح للمخرج ديفيد لينش يشرح دواعي اختياره هذه الفتاة المغمورة، يقول: «شيء في حضورها منحني قبسات من الوهج الذي تحمله، شعلة الإبداع أو التفرد الروحي القادر على الاختراق ومس الجمهور، أمر آخر طريف ساهم في اختياري لها ألا وهو كونها تحمل اسم نعومي وهو اسم مربيتي التي كان لها أكبر الأثر علي في طفولتي.»

أمور صغيرة تبدو لنا كمفارقات أو صُدَف لكنها مرسومة بعناية من القدر لتحملنا للمعجزات، ومن ذرى النجاح تأتي المسؤولية كما تقول نعومي: «إذ ماذا نصنع بهذا النجاح، من ناحيتي أنا في محاولة دائمة لتقديم شيء من خلال الأدوار التي ألعبها، أحرص على توصيل رسالة مثل دوري في كشف تعاملات المافيا الروسية وتسليع النساء أو دوري في حماية الأحياء والحياة الفطرية في محميات مدغشقر أو ما تعانيه أمهات المحاربين، موضوعات إنسانية تستجيب لحاجة داخلي في تقدير النعمة التي منحت لي على غير توقع.. فإنني أرى نفسي جزءاً من عجلة كونية للارتقاء بالحياة.»

كم منا يشعر بهذا الجميل وبهذه النعم المغدقة علينا بغير حساب؟ سؤال لابد يوقظنا كل صباح.