يبدأ الاستثمار في الأولاد - وليس الاستثمار لهم - من التعليم، حيث يمثّل أساس التكوين المعرفي والتحصين الفكري لهم في مراحل عمرية متعاقبة، ومتسارعة، وينشؤون فيه أمام اختبارات التحصيل، والتأهيل، والقياس لما تحقق من رصيد بعد كل تلك السنوات، وبعدها تكون الخيارات على قدر ذلك الرصيد، والأهم أن يكون كافياً لتكاليف الحياة الأخرى والتزاماتها ومسؤولياتها مع الذات والآخر.

أسر من آباء وأمهات يدفعون كثيراً في سبيل الاستثمار في أولادهم، ويتحملون فوق طاقتهم مادياً ونفسياً؛ للوصول إلى أهدافهم وأمنياتهم وأحلامهم أيضاً، فالبعض يصل إلى ذلك، والغالبية يتعثرون لأسباب قد تعود للأولاد أنفسهم، أو لظروف أسرهم، أو ربما لمستوى التعليم الذي تلقوه ولم يكن محفزاً في منهجه ومعلمه ومدرسته، أو لأسباب أخرى، ولكن المهم أن الفشل وارد في بلوغ تلك الأهداف والأمنيات، وأعداد من يدرسون في تخصصات جامعية لا تناسب ميولهم كثيرة، ومن يعملون في غير تخصصاتهم أكثر، أما من لم يجد القبول الجامعي بعد سنوات التعليم العام، أو العمل بعد الجامعة فهذه نتيجة الفشل الذي جعلنا فيه التعليم مجرد شهادة بلا تأهيل مهني.

الشهادة لا تكفي لتحقيق الأمنيات بلا مهنة، وعلى الآباء والأمهات أَن يبدؤوا مع أولادهم رحلة متزامنة تجمع بين الشهادة والمهنة، فَلَو فشلت الأولى حتماً ستنجح الأخرى، ولو تأخرت الوظيفة يوماً تكون المهنة عوضاً عنها، وهذه المهمة منذ الصغر تنمي في الابن أو البنت مهارة خاصة في تحويل الميول والهواية إلى مصدر رزق، وهنا يكمن السر في كسب الثقة، واحترام الوقت، والالتزام مع الآخر، وكلها تتقاطع مع التعليم لكسب الشهادة، وبالتالي نختصر الوقت، ونقلل من حالات الفشل المحتمل.

غداً يبدأ عام دراسي جديد؛ الجميع مستعد له، أسر ومدارس، وأجهزة حكومية وخدمية أخرى، وأملي أن نمنح المهنة في نفوس أولادنا مثل ما نمنح الشهادة كل ذلك الاهتمام، وتحديداً من المرحلة المتوسطة بعد أن تأكدنا من ميولهم في سنوات التعليم الأولى، ونتعامل مع المهنة على أنها في حالة تكامل مع الشهادة الدراسية، وليست بديلاً عنها، أو بديلاً عن الفشل المترتب عليها؛ لأن المهنة باختصار في هذا الزمن تحقق عائداً مادياً يفوق الشهادة، وتمنح صاحبها حضوراً مختلفاً إذا ما كان متفاعلاً معها على الدوام.

الشواهد كثيرة على جيل توظّف بمهنته وليس شهادته، والشواهد أكثر على جيل عاطل بشهادته ولكنه يستحيل أن يكون عاطلاً بمهنته، وهذا بحد ذاته كافياً لاحترام المهنة وتنميتها في نفوس جيل الرؤية الجديد.