وهبنا الله جلّ جلاله أرضاً نقيّة، نظيفة البيئة، نسيمُها يشفي العليل، لا فيها تلوّث ولا عبث.. ولكنّ الإنسان لوّث هذه الأرض بشكل غريب، وخاصة في العصر الحديث، هذا العصر الذي شهد من تلوث البيئة في مئة سنة فقط، ما لم تشهده الأرض في تاريخها قط، فالمصانع في أنحاء الدنيا تنفث سمومها كالثعابين، والسيارات تُطلق أبخرتها التي تكتم الأنفاس، وأجهزة التكييف تهدر ليل نهار، واستنزاف الموارد الطبيعية على أشده، والجور على أُمنّا الأرض جاوز الحدود، وتعدّى أشد أنواع العقوق، ولم يسلم من ذلك الجور والعقوق حتى الأنهار والبحار والأسماك في الأعماق، والأشجار في الغابات، والطيور البريئة التي تُسهم في تنقية البيئة وحفظ التوازن، صار الناس يصيدونها بالشباك بالألوف، وكثير من ذلك الصيد ليس عن حاجة، بل لمجرد الهواية والترف.. 

 الأرض التي منها خُلقنا وفيها عشنا وإليها نعود ومنها نُبعث بقدرة الحيّ القيوم، جُرْنا عليها نحن البشر أشد الجور، ولطّخنا أديمها النقي بأنواع التلويث، ومسخنا وجهها الجميل بأبشع أدوات التقبيح، وكلما انعقد مؤتمر لحماية كوكبنا الأرضي من ضراوة التلويث واستنزاف الموارد وإفساد الهواء الذي نتنفسه والمحيط الذي نعيش فيه، لم يخرج منه إلّا توصيات تذهب مع الريح.. 

 لدينا في المملكة ينبغي الاهتمام الجاد بنقاوة البيئة، ومنع التلوث بكل أشكاله، وتجريم الاحتطاب والرعي الجائر وقطع الأشجار، ووضع مواصفات للمصانع والسيارات وأجهزة التكييف بحيث تصل الحد الأدنى من التلويث، وتعميم الصرف الصحي، وإعادة تدوير المياه والاستفادة منها في زرع ملايين الأشجار، فإن التصحُّر عندنا يتمدّد، والهواء يتلوّث، ووضع البيئة يُنذر بالخطر، ولا بُدّ من صياغة أنظمة صارمة تُحافظ على بيئتنا التي وهبنا إياها ربُّنا سبحانه وتعالى نقيّة نظيفة صافية الهواء، والله عز وجل يقول: 

(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) والفساد كلمة جامعة لكل تخريب معنوي أو مادي أو تضييع للأمانة بأي صورة أو شكل، فالأصل في الأرض الصلاح والإصلاح، وإنما أتى الفساد من جور الإنسان، والله لا يحب الفساد.