حرية الاختيار تُسهم في زيادة درجة التوافق الفكري والوجداني والعاطفي بين الشاب والفتاة

«اترك ابنك يُحدد شريكة حياته»..!

اختيار الابن لزوجته يُحقق له الاستقرار في حياته المستقبلية
تحقيق - صلاح الشريف

تترتب على اختيار شريكة الحياة من جانب الأهل، وعدم إعطاء الشاب فرصة تحديد من سيعيش معه في المستقبل - أمور كثيرة، تكون لها في أحيان كثيرة سلبيات على الأسرة، وفي أحيان أخرى تكون أحد أسباب الطلاق.

إن اختيار الشاب زوجته له عديد من المزايا، من أهمها: زيادة درجة التوافق الفكري والوجداني والعاطفي، وتحقيق درجة من الرضا عن الطرف الآخر، وبالتالي تحقيق درجة عالية من السعادة والاستقرار النفسي والعاطفي، وكذلك وجود تفاعل إيجابي بين طرفي العلاقة لارتفاع درجة التجانس بينهم، وإيجاد بيئة مناسبة للتربية السليمة للنشء، وبالتالي صناعة جيل يسهم في النهوض بالمجتمع، ويحافظ على استقراره.

لا تتدخلوا

وقال زياد بن ونيس الربيع -كاتب عدل-: إن شريكة الحياه واختيارها موضوع مهم جداً؛ لأنه تترتب عليه حياة كريمة أو تعيسة، ليست للشاب أو الفتاة فقط، بل ستنعكس على الأسرة والمجتمع، لذلك يجب على الأهل عدم فرض آرائهم على أبنائهم في اختيار شريكة الحياة وفق ميولهم وأهوائهم، مُشدداً على أنه يجب أن نفسح المجال للشباب لاختيار من سيعيشون معهم في حياتهم المقبلة؛ لأن اختيار الشاب أو الفتاة لبعضهم بعضا سيكون وفق معايير تناسبهم قد لا تناسب أهلهم، مبيناً أننا نرى كثيرا من المشكلات الزوجية بسبب تدخل الأهل في الاختيار، وهذه تؤدي - في كثير من الأحيان - إلى الطلاق، وأصبحت الظاهرة منتشرة في مجتمعنا، ويترتب عليها تشرد وإهمال للأطفال وضياع لمستقبلهم، مشيراً إلى أنه يجب على المجتمع ممثلا في الأسر فسح المجال للشباب والفتيات لاختيار شريك أو شريكة الحياة؛ حتى نقلل من حالات الطلاق، فإذا كان من حق الشاب أو الفتاة أن يختار ما يأكل ويشرب ويلبس، فإنه كذلك من حقه أن يختار من ستعيش معه أيامه المقبلة، فهو غير قاصر، ومعظم الفتيات والشباب اليوم من خريجي الجامعات، الذين لهم عقول راجحة، قادرة على رفعة هذا الوطن الشامخ، وكذلك هم قادرون على اختيار شريكة أو شريك الحياة المناسب لهم.

وأضاف أن حالات الطلاق المتعددة، الناتجة عن تدخل الأهل في اختيار شريك الحياة، لهي من أهم سلبيات هذا التدخل، الذي له سلبيات أخرى؛ منها وجود كثير من المشكلات النفسية لدى الأطفال نتيجة للعلاقة السيئة بين الوالدين، لذلك يجب على الأهل أن يكون لهم دور التوجيه لأبنائهم في اختيار شريكة الحياة دون التدخل في هذا الاختيار؛ حتى نقلل من حالات الطلاق.

سلاح ذو حدين

وأوضحت أمل الزهراني، أن اختيار الأهل للزوج ومدى تأثيره في الطلاق هو سلاح ذو حدين، فحين يختار الأهل الزوجة المناسبة لابنهم من حيث الشكل والدين والأسلوب والتعامل ومعرفة الأهل لأهل العروس، ومعرفة طباعهم وعاداتهم، فإن ذلك يساعد على توفيق الزواج -بإذن الله-؛ لأن الأهل لن يختاروا زوجة لابنهم لجمالها فقط، أو لمستواها التعليمي أو الوظيفي؛ بل لما وجدوه في هذه الأسرة من صفات حسنة، مضيفةً أنه عند اختيار الزوج زوجته من تلقاء نفسه فكون العبء هنا على عاتقه في نتائج الاختيار، وهنا لا يكون للأهل من الطرفين سوى تسوية أي خلاف يحدث بينهما، وغالباً لا تكلل بالنجاح الدائم.

يحتاج إلى توافق

وأكد سويد العنزي - اختصاصي اجتماعي - أن الزواج رباط بين فردين، يحتاج إلى توافق في الطباع وطريقة التفكير، وتدخل الوالدين في مثل هذا القرار يحتاج إلى وعي منهما، وأنه قرار يهم شخصين يختلفان عنهما في الطباع والتفكير، حيث إن الزوجين لهما طريقة وثقافة تخصهما، مضيفاً أن وجود التواصل بين الزوجين قبل الزواج بشكل علني تحت نظر الأسرتين يذلل المصاعب اللاحقة، بل يُعد حلاً لما سيطرأ على علاقتهما الزوجية إذا حدثت، مبيناً أنه لكي ينجح الزواج نحتاج إلى إيجاد جيل مستحق للزواج سواء الذكر أو الأنثى، ذاكراً أن التواصل المباشر مع الطرف الآخر ووجود الاحتكاك اليومي قد يخلق بعض الإشكالات، وهنا يجب أن تكون لدينا سعة صدر وطرق حديثة لتحمل الضغوط، ومن ثم تحمل الطرف الآخر، وكذلك صنع احترام يجعل منهما أكثر قرباً وتوافقاً، وبناء حياة تحمل معنى التوافق والتقدير المتبادل، ليصنع حباً في محيط أسرتهما الصغيرة، إضافةً إلى تجهيز جو مناسب لوجود أبناء يجدون الرضى داخل الأسرة.

وأشار إلى أن تدخل الوالدين غير الواعي قد يدمر أُسرا منذ بدايتها وتحت ظرف أي مشكلة عابرة، فنحن نحتاج إلى وجود خبرة الوالدين في الاختيار وليس الإجبار؛ حيث يبديان ما يرانه والعروسان يتخذان القرار ليكون على مسؤوليتهما ولا يرميان الفشل إذا حدث على والديهما، مؤكداً أن الإجبار على القرار يجعل الحيل الدفاعية جاهزة، ومن ثم تحل العلاقة بسهولة بين الزوجين.

وسيلة فاعلة

وتحدث د. مساعد غنام العتيبي - باحث في شؤون الأسرة - قائلاً: إن الحياة الزوجية علاقة ورابطة أسرية بين طرفين قد يكونان متباعدين، سواءً كان تباعداً جغرافياً، أو مكانة اجتماعية، أو تباعداً ثقافياً أو فكرياً أو سلوكياً، وقد يكون بعض ذلك، كون لكل أسرة خصائص تميزها عن غيرها، مضيفاً أنه لكي يتم التجانس بين طرفي تلك العلاقة وإذابة تلك الفوارق، لا بد أن تبنى علاقتهما وفق أسس منطقية تسهم في استمرار وديمومة العلاقة والبعد عن المكدرات، ومن أهم تلك الأسس أن يكون من يرسي قواعد هذه العلاقة بالدرجة الأولى هم أصحابها والمعنيون بها، حيث تعد حرية الاختيار في الزواج وسيلة فاعلة من وسائل تحقيق التوافق بين الزوجين، فتلك الوسيلة لا بد أن تسهم في بناء الفكر والشعور، وتكون دعامة للحياة الأسرية المستقرة، ومعززة للقدرة على تبادل الآراء والتجانس النفسي والسلوكي في عديد من الموضوعات، وباعثة للشعور بالسعادة والصحة النفسية، مبيناً أن من أهم وسائل التغلب على عوامل الكدر الزواجي الحرية في اختيار الشريك، فيجب أن تتاح الفرصة للمقبلين على الزواج رجلاً كان أو امرأة لاختيار شريكه بشيء من الاستقلالية، حيث إن الإنسان هو الأقدر على التحديد الدقيق للمواصفات الخاصة بشريك حياته، التي قد تحقق الدفء العاطفي والوجداني للحياة الزوجية، والحفاظ على تماسك الأسرة واستقرارها.

وأشار إلى أنه على النقيض من ذلك فإن الاختيار غير الموفق لشريك الحياة من الأسباب الرئيسة لحدوث الطلاق، فقد أظهرت بعض الدراسات أن عدم الاختيار الزواجي السليم قد يؤدي إلى الانفصال، وقد وصلت نسب الطلاق في بعض الزواجات التي لم يكن لأصحابها دور في اختيار زوجاتهم إلى 30 في المئة في الخمس سنوات الأولى من الزواج، ثم زادت تلك النسب إلى أكثر من 44 في المئة في السنوات اللاحقة.

قناعة تامة

وأوضح د. العتيبي أنه عند تحقيق الاختيار الزواجي السليم، قد تنحسر الخلافات الزوجية، ويزداد مستوى التوافق بين الزوجين، وتقل نسب الطلاق تبعاً لذلك، حيث إنه من الطبيعة الجبلية أن الإنسان يتوقف كثيراً قبل أن يعيب اختياره الشخصي والإرادي؛ كونه مبنيا على قناعة تامة، بعكس لو كان هذا الاختيار تم من طرف آخر حتى إن كان الاختيار للشيء نفسه، وهذا الأمر قد يسهم في ديمومة العلاقة الزوجية المبنية على حرية الاختيار، مبيناً أن لحرية اختيار شريك الحياة عديدا من المزايا، أهمها زيادة درجة التوافق الفكري والوجداني والعاطفي، وتحقيق درجة من الرضا عن الطرف الآخر، وبالتالي تحقيق درجة عالية من السعادة والاستقرار النفسي والعاطفي، وكذلك رضا شريك الحياة بالارتباط بشريك حياته؛ كونه اختاره وفق المعايير والخصائص التي يراها مناسبة له، وإمكانية إشباع الاحتياجات المختلفة بين الشريكين، التي تبنى على تبادل الوفاء بالحقوق والواجبات، إضافةً إلى وجود تفاعل إيجابي بين طرفي العلاقة لارتفاع درجة التجانس بينهما، وإيجاد بيئة مناسبة للتربية السليمة للنشء، وبالتالي صناعة جيل يسهم في النهوض بالمجتمع، ويحافظ على استقراره.

وأضاف: قرار الزواج أحد أهم القرارات المصيرية للإنسان، لذا فإنني أهمس في آذان الأهل أن يدربوا اﻷبناء على كيفية الاختيار الرشيد لشريك الحياة، وألا يظلموهم بعدم منحهم الفرصة لذلك الاختيار، خاصةً في العصر الحديث الذي بدأ يتلاشى فيه الموروث الثقافي للمجتمع ويفقد مكانته وقيمته، والذي يؤدي بطبيعة الحال إلى ضعف القدرة على الحفاظ على الموروث الاجتماعي.

أمر مصيري

وذكر صالح حمدان آل مسعود، أنه ورد في صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، مضيفاً أن التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير ذلك، يميل إلى نظيره، فتعارُف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت، مبيناً أن تقارب الأرواح وتآلفها مدعاة لعلاقات ناجحة، حيث إن ذا الطباع الخيرة يميل إلى شكله، فتقارب الأرواح تقوده الطباع التي جبلت عليها، ذاكراً أنه في إطار الزواج فإن إجبار أحد الزوجين على الارتباط بالآخر أحد احتمالات التنافر، لذلك اترك مسافة كافية لأن يقرر الطرفان الارتباط معا، فهو أمر مصيري تبنى عليه كيان أسرة، مشيراً إلى أنه إذا كان أساس بناء الأسرة قويا مبنيا على التآلف، تستمر بقوة، ويصعب افتراقها، وإن اعترضتها مشكلة من مشكلات الحياة الأسرية يسهل تجاوزها.

د. مساعد العتيبي
زياد الربيع
سويد العنزي
صالح آل مسعود
أمل الزهراني






مواد ذات صله







التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع