قبل عام ونصف العام تقريباً، وتحديداً في فبراير 2017، نشرت مقالة هنا تحت عنوان «لم أعد أقرأ»، تحدثت فيها عن تراجع معدلات القراءة، عني شخصياً والآخرين، جراء تحول الكثير من عاداتنا الحياتية، وعيشنا في الواقع الافتراضي أكثر، وانغماسنا في الشبكات الاجتماعية.

كنت قد تحدثت عن انطباعات، وبعض الأرقام الأولية، رغم يقيني الداخلي بصدق فرضية ما رحت إليه، ولكن في الوقت نفسه الشعور لا يكفي.. لا بد من التحليل، وعمل الدراسات، التي من شأنها أن تثبت أو تنفي ذلك، وهذا ما فعلته الدراسة الأميركية الحديثة.

تقول أحدث الدراسات في علم النفس: إن «واحداً من كل ثلاثة مراهقين أميركيين، لم يقرأ كتاباً واحداً بغرض المتعة خلال سنة كاملة»، وأظن أن شريحة المراهقين تعني البناء في أساس المجتمع، والمرحلة التي تتكون وتبنى فيها القناعات والعادات، وتنطلي غالباً على طبيعة العيش.

حيث راح البحث الجديد الذي نشرته مجلة علم النفس لثقافة وسائل الإعلام الشعبية، ونقلته بعض المواقع الإخبارية، لمناقشة «توجهات المراهقين في الولايات المتحدة الأميركية 1976 - 2016 بين ازدهار عصر الميديا الرقمية، وانحسار عصر التلفزيون واقتراب زوال الطباعة» للكاتبين: الدكتورة جين توينج، وغابرييل مارتين، من كلية علم النفس بجامعة سان دييجو بالولايات المتحدة الأميركية.

خرجت الدراسة بأن عدد المراهقين ممن يقرؤون الكتب أو المجلات أو الجرائد بمعدل يومي في الولايات المتحدة الأميركية قل عن 20 %، بينما يستخدم 80 % من المراهقين وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة يومياً، وفقاً للبحث.

شخصياً، لست ممن يطالب بضرورة بقاء معدلات القراءة كما هي؛ لأنني أفهم وأتفهم طبيعة المرحلة وتعقيدات السياق، كما أن أشكال المعرفة والمحتوى تغيرت، ولم تعد مجرد نصوص صامتة.. لكن في الوقت نفسه أخشى أنه - ورغم هذه التحولات - لا يكون للمعرفة والتعلم والتعليم النصيب الأهم، مقابل الألعاب والبدائل الوقتية. وقد يكون قلقاً مبرراً، وقد لا يكون!

الأرقام تقول: ارتفعت نسبة استخدام الميديا الرقمية على نحو كبير ما بين 2006 - 2016، حيث تضاعف استخدام الإنترنت أثناء وقت الفراغ بالنسبة لتلاميذ الصف الثاني عشر من ساعة واحدة أو ساعتين إلى ضعف هذه المدة. كما زاد وقت استخدام الإنترنت بنسبة 75 % بالنسبة لتلاميذ الصف العاشر، وبنسبة 68 % بالنسبة لتلاميذ الصف الثامن، وكان حجم الزيادة متجانساً بصرف النظر عن الجنس، أو العرق أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للتلاميذ. كما تراجع الإقبال على القراءة من 60 % في سبعينات القرن الماضي، إلى 33 % في تسعينات القرن الماضي، وإلى 2 % في 2016. بينما لم يتراجع استخدام وسائل الإعلام التقليدية على هذا النحو، حيث تراجع التلفزيون والفيديو من 22 % في تسعينات القرن الماضي إلى 13 % في 2016.

ليس مهماً كم نقرأ، الأهم: ماذا نفهم! والسلام..