دخلت صحافة البيانات على خط المنافسة مع صحافة المواطن بعد عقود من التحولات التي شهدتها الصحافة من النقل إلى الرأي ثم الإثارة والتفاعل، حيث بدا واضحاً أن متغير التقنية المتجددة بفعل الإنترنت قد ترك خيارات أوسع لإنتاج المحتوى وتسهيل وصول المعلومات إلى الجمهور، من خلال صناعة قصص رقمية تعتمد على الكم في مهمة متزامنة مع الكيف لإيصال أفكار محددة مبنية على حقائق، ووقائع؛ بقصد التأثير على مدى زمني ليس بالبعيد.

الصحافة كمهنة تنافس اليوم صحافة المواطن من خلال التعامل مع حجم البيانات الضخمة التي تركتها التطورات الاتصالية في أكثر من مجال، ومنحتها فرصة للنهوض مجدداً في استثمار قيم الموضوعية والمصداقية والدقة في تحويل الأرقام إلى صناعة صحفية جديدة، وكسب اهتمام الجمهور ومشاركته سلطته، وتوجيه اهتمامه، وترتيب أولوياته، والتأثير في مواقفه وتوجهاته؛ فلغة الأرقام لا تزال تشكّل عامل جذب وتشويق وإثارة في الصحافة التقليدية، ومحفزاً على استثمار البيانات وتوظيفها في سياقات متعددة نحو بناء رأي عام من أي قضية مثارة، فضلاً عن توجيهه واستمالته نحو الحقيقة، وإثباتها، وتسويقها في مشروع التحول الذي نعيشه في المجتمع.

المهمة المتزامنة بين الأفكار والمعلومات التي تشكّل الأرقام حجر زاويتها هي المستند الأهم في تحرير المحتوى الجديد، والقدرة على تحويل الصحافة من إدارة إلى صناعة جديرة بالمنافسة، والتحليق بها إلى فضاءات تتجاوز الوسيلة إلى ما تقدمه الرسالة، ومن حالة الجمود بفعل محدودية السبق الخبري إلى استظهار مكامن القوة في التنبؤ بوقوعه، والتهيئة له، من خلال الأرقام التي نوظفها في سياق التجديد، والتعبير عما هو مراد الوصول إليه لإثباته من جهة، والتسويق له من جهة أخرى.

لنأخذ رؤية السعودية الجديدة نموذجاً لحجم البيانات الضخمة التي تركتها ولا تزال في سياق التغيير المجتمعي، والتأثير في الإعلام الدولي، حيث لا يزال الغرب يتعامل معها بلغة الأرقام، ويقيس من خلالها مخرجاتها، وهو ما جعل السلطة التنفيذية تعيد تقاريرها الدولية على أساس البيانات الرقمية، بل إن هيئة الإحصاء السعودية بدأت العمل منذ مدة في إعادة صياغة بياناتها في توظيف الأرقام تحليلياً أكثر منها وصفياً، وبالتالي لم تعد الأرقام تكرارات ونسباً، وإنما تحليل معمق لما هي عليه المملكة من توجهات ومواقف، من خلال ربط الرقم بسلامة القرار، واستثمار النتيجة في التسويق بين ما كان وما هو كائن وما سيكون عليه المستقبل، والشواهد في ذلك كثيرة.

الصحافة اليوم التي تركز على الرأي في سباق المنافسة مع صحافة المواطن؛ يُنتظر منها أن تنافس أيضاً في البيانات الرقمية، من خلال صناعة جديدة لا تتوقف عند الاحتفاء بمنجز الأرقام وإنما توظيفها بما يعكس واقعنا، ويؤثر في الرأي العام الدولي.