من أقبح الصفات، وأشنع الخلال التي تشين أهل العلم: توظيف العلم للتلاعب بالمبادئ، وليِّ عنق النصوص، وخداع العامة؛ لأجل خدمة توجه سياسي ولو كان خاطئاً، ومحاربة آخر ولو كان محقاً

صدرت قبل أيام من حساب د. يوسف القرضاوي تغريدة نصها: «هذا الحج ليس لله تعالى حاجة فيه.. الله غني عن العباد، وإذا فرض عليهم فرائض فإنما ذلك ليزكوا أنفسهم وليرتقوا في معارج الرقي الروحي والنفسي والأخلاقي إلى ربهم، ولتتحقق لهم المنافع المختلفة في حياتهم»، ولي مع هذه التغريدة بعض الوقفات فأقول:

الوقفة الأولى: ما المغزى من اسم الإشارة في صدر التغريدة «هذا الحج»؟ أيعني به تخصيص حجِّ هذا العام بهذا الحكم؟ إن كان الجواب نعم فما المخصص؟ وإن كان الجواب لا، فهل في الإسلام حجٌّ غيره حتى يحتاج لتشخيص فرد منه؟ أم أن في مخيلة القرضاوي أن لهذا الموسم أحكاماً جديدة نتجت عن الوضع السياسي الراهن، فندّت منه هذه الكلمة لينكشف بها المستور، ويظهر بها مدى تسييسه للحج؟

الوقفة الثانية: معلومٌ أن الله تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وليس له تعالى حاجةٌ في جميع طاعاتنا، فَلِمَ اختزل القرضاوي هذا في شعيرة الحج من بين الشعائر كلها؛ ليغرد بهذه المعلومة في وقت أداء هذه الشعيرة العظيمة؟ والجواب: تخصيص الحج بهذا من بين سائر الشعائر ليس صدفةً ولا فلتةً، ووراءه حظٌّ نفسيٌّ لا يخفى على الفطن، ولا ينطلي على اللبيب، فالمملكة التي ضاق بها هو ومن آواه ذرعاً هي من اجتباها الله تعالى وشرّفها بخدمة الحرمين الشريفين، وهذا من أعظم المناقب، وأكبر المآثر، وبما أن كل ذي نعمة محسود، فلم يألُ من يناوئها جُهداً في محاولة التسور على طودها الشامخ، ولكل من أعدائها وسيلة يسخرها لذلك، وقد استأثر القرضاوي وأمثاله بوسيلة استخدام الخطاب الديني الـمُشبع بباطل مُغَلَّفٍ بحق، وتلك سيرة المبطلين، وطريقة المنحرفين، وشرذمة الحرورية لما أرادوا الشغب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سلكوا هذا المسلك ليُغووا العامة، ويخدعوا الجهلة فقالو: لا حكم إلا لله، فلم يَخْفَ ذلك على علي رضي الله عنه فقال: «كلمة حق أريد بها باطلٌ».

الوقفة الثالثة: إن هذا الكلام ظاهره حسنٌ، لكن لا غبار على قُبْحِ فحواه، وسوء اللوازم المترتبة عليه؛ فإنه يتضمن وللأسف التقليل من شأن شعائر الإسلام التي يجب أن تُعَظَّمَ وتُحترم، لا أن يُهَوَّنَ من شأنها وتُبتذل، (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، ناهيك أنه متضمنٌ أيضاً لتخذيل المسلمين وتثبيطهم عن القيام بشعائر الإسلام، وصدِّهم عن فعلها، وذلك تضليلٌ وصدٌّ عن سبيل الله.

الوقفة الرابعة: إن وسائل التواصل الاجتماعي منبر للتحدث إلى العامة، والتحدث لعامة الناس ينبغي أن يكون بضوابط معلومة، وعبارات مفهومة، واستهلال خطاب العامة بمثل هذا يوقعهم في المزالق، أفلا يخشى القرضاوي أن ينسج العوام والضلّال على منوال تغريدته، فيقول قائلهم للناس حين تُقام الصلاة: «هذه الصلاة لا حاجة لله فيها...»، وعشيَّةَ استهلال رمضان: «هذا الصوم لا حاجة لله فيه...»، وهكذا في البقية، ويجعل كلام القرضاوي تُكَأةً يتكئ عليها؟

الوقفة الخامسة: ثم إذا كان الناس - كما قال القرضاوي في تغريدته - لن يُزكُّوا أنفسهم ولن يرتقوا في معارج الرقيّ الروحي... إلخ، إلا عن طريق إقامة تلك الشعائر، فهم إذاً محتاجون أتمَّ الاحتياج لإقامة تلك الشعائر ليتحقق لهم هذا المقصود، فلم أرَ القرضاوي - لو كان صادقاً – ثنَّى في تغريدته بأمر الناس بالقيام بفريضة الحج ليحصل لهم ما قرَّره من تزكية أنفسهم والرقي بها... إلخ، وتغريدته المجزوءة والحالة هذه ينقضُ آخرُها أولَّها، وتنسفُ نفسَها بنفسِها، وهذا شأنُ الكلام المنبعث من مشكاة الهوى يصفعُ بعضُهُ بعضاً.

الوقفة السادسة: من أقبح الصفات، وأشنع الخلال التي تشين أهل العلم: توظيف العلم للتلاعب بالمبادئ، وليِّ عنق النصوص، وخداع العامة؛ لأجل خدمة توجه سياسي ولو كان خاطئاً، ومحاربة آخر ولو كان محقاً، وقد أخذ الله تعالى العهد والميثاق على أهل العلم بأن يبينوا للناس الحق أيَّاً كان، ولمصلحة من كان، ولا يكتمونه، ومن نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون، وليت المسألة توقفت على أمر الكتمان بل أراها تعدَّت لتزييف الحقائق، وتحريف الكلام وتلك سياسة علماء اليهود المغضوب عليهم.

الوقفة السابعة: كل الذين ينافحون عن المخطئ مطلقاً، وينبرون للدفاع عن المسيء لا لشيء إلا لكونه فلاناً، يجب أن يستحضروا أن هذا المسلك فيه إضفاءُ العصمة على متبُوعِهم شعروا أو لم يشعروا، وإلا فما معنى تنزيهه من الخطأ وقد وقع فيه، وتبرئته من الزلل وهو مُتلبِّسٌ به، فليسوا ببعيدين والحالة هذه من بعض الفرق الضالة، والطوائف المنحرفة ممن أضفوا العصمة لمريديهم، وأطلقوا وصف الكمال لأئمتهم، وصدق الحق: (تشابهت قلوبهم).