اقتربت إدلب من نهاية حضورها وضجيجها في الإعلام، بعد وقت قريب لن نسمع عنها أو منها شيئاً، سيتكرر ما حدث مع حلب وغيرها من الحواضر السورية التي اقتحمها النظام وقضى على التنظيمات المسلحة المتمترسة فيها، لم يعد الأمر خافياً على أحد ولا أحد يتوقع غير ذلك.

صممت إدلب لتكون الملاذ الأخير الذي منحه الأسد وحلفاؤه للمسلحين، ولكنها لم تكن النافذة التي منحت للقط لكي يفر منها ويسعد بالنجاة، فرصة لليائس الذي يضع خططاً في الأحلام خشية من مواجهة الواقع، المسلحون في سورية أصبحوا محاطين بالفناء من كل الجهات، حتى تركيا التي نصرتهم يوماً وراهنت عليهم تركتهم يرعون مصيرهم بأنفسهم، حتى دعاة الفتنة منوا عليهم بكلمة تخفف عليهم ألم الحصار والذل واليأس والموت القادم.

أين الخلافة وأين من كان يراها بأم عينه؟ أليس هؤلاء جنودها؟ أين نصرتهم والدعاء لهم والبكاء عليهم؟ لم صمتت عنهم المنابر التي كانت يوماً تناديهم؟ ألا يستحقون قليلاً من الدموع وإذا لم تذرف هذه الدموع من أجلهم فمن أجل أمهاتهم البائسات؟

بعد أسابيع سيعود الجميع إلى ما كانوا عليه وكأن شيئاً لم يحدث في سورية، من سيسأل أين الجولاني وأين المحيسني وأين أشلاء الشباب الذي تخطفتهم الخطب والمنابر من بيوتهم ومن مدارسهم ومن أحضان أمهاتهم؟ أين الوعود بالنصر والتمكين وأين الفرسان على الخيول البيض في هذه اللحظة الحاسمة؟ لمَ لمْ يسأل أحد هل ستفوح أجواء إدلب بروائح المسك والعنبر عندما تسحق الطائرات الروسية أجساد من لبوا نداء المنابر كما فاحت جثث أسلافهم في أفغانستان يوماً؟ أين عبدالله عزام ليكتب لنا من إدلب عن منتجات الطائرات الروسية من الجثث المتضوعة بالطيب الفواح؟

إنها السلالة من الجهتين لتعيد المأساة نفسها، عاد أبناء الطيارين الروس الذين أحرقوا أفغانستان يسحقون أبناء المجاهدين في سورية وعاد الدعاة الأفاضل إلى منازلهم سعداء يستقبلون أبناءهم القادمين بالشهادات العلمية من أميركا وأستراليا.

سيأتي جاهل ليقول لنا أن التاريخ لا يكرر نفسه، كيف لا يكرر التاريخ نفسه والانتهازيون يشاركون في صناعته.