هناك قصة مشهورة في التاريخ الأميركي بسبب غرابتها وصعوبة تكررها.. فأثناء الثورة الأميركية ضد البريطانيين، حلم القائد الأميركي «روبرت موريس» بأنه سيقتل أثناء زيارته لإحدى سفن البحرية في اليوم التالي. وقد أقلقه ذلك الحلم إلى درجة التفكير بإلغاء الزيارة، ولكنه قرر مصارحة مرافقيه وقـرروا سوياً اتخاذ «الاحتياطات» اللازمة كافة.. وهكذا تم إصدار الأوامر إلى كابتن السفينة بألا تطلق مدافع التحية أبداً حتى يعود إلى الشاطئ، كما تم اختيار الجنود بدقة شديدة ومنعهم من حمل أسلحتهم النارية المعتادة.. بــل تم تفتيش السفينة بالكامل وإزالة قذائف وبراميل البارود من على ظهرها.

وفعلاً انتهت الزيارة بسلام واستقل موريس وأعوانه أحد القوارب نحو الشاطئ.. وفي تلك الأثناء وبينما كان كابتن السفينة يراقب وصول القارب وقفت ذبابة على أنفه وحين رفع يده ليبعدها ظن أحد الجنود أنها إشارة البدء المعتادة لإطلاق مدافع التحية.. وهكذا امتدت يده تلقائياً وأطلق مدفعاً يملك داخله قذيفة منسية دمرت القارب الذي كان يستقله موريس وتسببت في تمزيقه لأشلاء أثناء نزوله للشاطئ!!

وكان الإمبراطور مينيليلك الثاني «مؤسس الدولة الإثيوبية الحديثة» يأكل صفحات من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم كلما شعر باعتلال في صحته.. كان رجلاً متديناً لدرجة القناعة بأنه بهذه الطريقة سيحصل على الشفاء «من أي كتاب مقدس» يرتضيه الله لـعباده.. وفي ديسمبر العام 1913 أصيب بـنوبة قلبية خفيفة قرر بعدها الوصول لمرحلة «الشفاء النهائي» فقرر ابتلاع فصول كاملة، فبدأ بالتوراة -كونها الأقدم نزولاً - وابتلع فصلاً كاملاً يدعى «سفر الملوك» فمات متسمماً بزئبق الحبر وفطريات الورق!!

هـاتان القصتان تؤكدان حتمية الموت من حيث لا نعلم - وحتمية الموت حتى لو كنا داخل بروج مشيدة.. وكلا القصتين تذكرنا برواية شعبية مشهورة عن رجل يدعى خيطان، كان يخاف الموت لدرجة شغله عن الحياة.. قرر اتخاذ الاحتياطات اللازمة كافة للهرب من ملك الموت، فكان لا يرى ميتاً محمولاً على نعش إلا ويذهب ويسأل عن سبب وفاته.. وهكذا تجنب إشعال النار، والاقتراب من الآبـار، والصعود إلى سطح الدار.. تجنب أكل السمك، والسفر في الصحراء، والخروج في الليل، والذهاب لمسجد الحي؛ لأنه سمع أن الأول مات اختناقاً، والثاني غرقاً في بئر، والثالث سقط من سطح داره، والرابع غص بشوكة، والخامس مات عطشاً، والسادس أكلته الذئاب، والسابع مات بسبب مريض سعل في المسجد.

وذات يوم مرت من أمامه جنازة فـسأل عن سبب وفاته فـقـالوا لـم يكن به شيء كان معافى صحيحاً ولكنه نام ولم يستيقظ، فــتأوه وقال هذا «وجع خيطان» فـغـدت مثلاً بين أهـل نجــد «وأفترض في النهاية أنه مات في فراشه كما يموت البعير».

وبما أنك تذكرت الآن خالد بن الوليد، تذكر دائماً أن هناك حالة معاكسة تماماً لما حدث للسـيد خيـطـان.. حالة أشخاص لا يخافون الموت ولا يهابون الهلاك، ومع هذا ينجون من الموت مرات ومرات ويموتون في النهاية على فراشهم بكل رضـا وسكينة وراحة بـال.. أبرز النماذج المعروفة في تراثنا العربي سيف الله المسلول الذي قال على فراش الموت: (ما من موضع شبر في جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء)..

.. ماذا نستفيد من هذه القصص الثلاث؟

  • أولاً: إن الموت محتم فلا تشغل بالك به..

  • وثانياً: إن الحياة قصيرة فلا تشغل بالك بها أيضاً..

  • وثالثاً: إنك لا تملك غير اللحظة التي تعيشها.. فـحاول عـيشـها بأجمل طريقة ممكنة..