تراودني الحكمة لأقول إذا انتهت الأزمات الأفغانية انتهت الأزمات في العالم، وأحياناً أقول الشيء نفسه عن الصومال وعن العراق وعن ليبيا وربما يستقر الأمر في سورية بالصورة الهشة التي نراها في هذه الدول وأتوقع أن تمتد حكمتي لتشمل سورية أيضاً. من ينظر إلى تطور الأحداث في هذا البلد سيرى أن سورية تتجه إلى صيغة من صيغ الاستقرار المجهول الهوية الذي يعيشه العراق وأفغانسان والصومال ولييبا.

النظام يحقق انتصارات ولكن ببنادق أجنبية، لا يملك في معركته الكبرى التي يخوضها أكثر من بقايا الدولة التي كانت قبل الثورة. لا شك أن هذا سلاح قوي تتفق عليه القوى المتصارعة وتراهن عليه أيضاً، جميع الحلول السياسية يريد أصحابها أن تتولد من بقايا هذه الدولة لتأتي صيغة سياسية سورية جديدة، لكن كل دولة من تلك الدول المتصارعة تنظر إلى الصيغة من خلال مصالحها، في النهاية ستدخل سورية في الزمن نفسه الذي تعيشه شعوب الدول الهشة، يستقر الأمل الزائف في الديموقراطية كما يتجلى في العراق وليبيا وأفغانستان إلخ.. ثم يطول زمن الزيف إلى أن يصبح هو الأفضل بالنظر إلى التطاحن والتشرد والحرب الساخنة، أن يجلس على رأس السلطة المغامرون والأفاكون وتختلط المصالح الدنيوية بشعارات دينية نعمة مقارنة بالوضع الراهن ولا بأس بتفجير هنا وتفجير هناك.

تسعون في المئة من الشعب العربي لا يعرف تاريخ الدول التي يسميها شقيقة، من أين جاءت دولة العراق ومن أسّسها، متى انتهت الصراعات التي دارت على الأرض السورية وكيف استقر الأمر على الجمهورية العربية السورية ثم دولة عائلة الأسد. ما هي أفغانستان قبل الغزو السوفيتي ومن أسس ليبيا؟

كل دولة من هذه الدول الشقية كانت تحمل في رحمها بذرة شقائها حتى قبل أن يأتي المتهم الرئيسي الاستعمار. التفكك العراقي الذي نراه بصورة غائمة اليوم هو سعي للعودة إلى الأصل، اتجاه نحو الوضع الذي كان قبل تشرشل.

هل سألت نفسك من أين جاءت أسماء الدول التي نتداولها (فلسطين سورية العراق ليبيا.. إلخ). من أطلق على الليبيين اسم ليبيا، ومن أطلق على أفغانستان هذا الاسم، من أين جاء الصوماليون باسمهم، وما أصل كلمة سورية وفلسطين؟، ستكتشف أن ما نبكي عليه ونتهم الاستعمار بتخريبه هو في معظمه من صناعة الاستعمار نفسه.

يردد بعض الناس من باب الزهو أن أفغانستان مقبرة الغزاة، في الحقيقة هي مقبرة يرقد فيها أهلها ومن جاء إليها يشاركهم الرقاد، التطاحن في الدول الذي تفجر فيها الربيع العربي ليس سوى جرثومة عريقة تنتظر الفرصة لتزدهر، إن ما تعيشه الدول الهشة اليوم هو العودة إلى الماضي الذي نتباكى عليه في المنابر.