لكل قمر أفول بعد اكتمال، ولكل مسافر محطة وصول، ولكل مركب ميناء ومرفأ يتوقف عنده.. فقد فجع الوسط الإعلامي والشعبي برحيل الشاعر الكبير حجاب بن نحيت -رحمه الله- عن عمر يناهز الثمانين عاماً بعد رحلة طويلة ومثيرة مع الشعر والأدب، حلّق خلالها بجناحي الإبداع في فضاءات أرحب وأجمل، طارقاً أبواباً من الجمال والدهشة لم تطرق من قبل، ومتخذاً من القوافي الحسان أخداناً أبكاراً لم يطمثهن قبله شاعر آخر. يعد من أوائل من وظف الحوار في قصائده توظيفاً يجبر متلقيها على التفاعل معها نفسياً وحسياً، منتزعاً آهات القلوب وهتافات الحناجر بتلك الكاميرا الدائرة على مشاهد النصوص في أجواء أشبه بالأعمال الدرامية التي تُعلق قلب المتلقي بها لحين النهاية.

بعد صراع مرير مع المرض لم يمهله طويلاً استدعى عزله التام خلال بقائه في المستشفى العسكري بالرياض في أيامه الأخيرة، انتقل الشاعر الكبير إلى رحمة الله تاركاً وراءه إرثاً كبيراً من الأدب حصد به حياً حب الناس وميتاً ترحماتهم ودعواتهم الصادقة، وساماً لا يبلى على مر الأزمان إلى أن يشاء الله، بعد خدمته للأدب والشعر لأكثر من خمسة عقود.

ابن نحيت المولود في مركز الفوارة بمنطقة القصيم عام 1363هـ الموافق 1944، وعاش حياة اليتم والعوز، وعانى من شظف العيش، وتقاطرت عليه المتاعب مبكراً، تجلت مآثرها في إلهام أخاذ صقل شاعريته، التي بدأت في مراحل مبكرة من عمره، ولمع نجمه في الستينيات الميلادية، وعُرف كأبرز شعراء العصر المخضرمين.

كان -رحمه الله- سابقاً عصره في كتابة القصيدة السهلة التي تأسر الألباب وتنهمر إلى القلوب نبضاً يبعث إلى التفاؤل وحب الحياة والتعلق بالأمل. وكان محباً مخلصاً لبداوته التي بشرت بمولد نجم يعد أحد المجددين وصانعي حداثة الكلمة وجدتها بعمق المفردة البدوية التي تجلببت بمعطف الحضارة من شاعر تجلت مشاعره وقال فيها ذات شعر:

يا ليتني بالبادية ما تحضرت

ولا عرفت المدن واللي سكنها

هو بذلك لا يندب الحظ بقدر ما تعود به الذاكرة إلى حيث مرابع الصبا المتأصلة في النفس، تلك النفس التي شاء الله أن تشكل ثقافة جيل وذاكرة مجتمع خالدة في الوجدان.

ومن قصائد الشاعر حجاب بن نحيت الشهيرة:

عودي علي بسرعةٍ تسبق البرق

عودي ترى الفرقى تهدد حياتي

يا منتي من بيض من سمر من زرق

يا رغبتي يا غايتي يا غناتي

امشي من الطايف على وجهه الشرق

ارجو التوجه بأسرع الطايراتي

صحيح من قال العذارى بهن فرق

الاسم واحد مير متخالفاتي

في جرح قبل وزوده بعدكم حرق

واصبحت احسب سيتي واحسناتي

انت درقتيني بدعوى السفر درق

عسى عدو عينج يسوي سواتي

تطرق ضلوعي من سبب بعدكم طرق

القلب يضربهن وهن مقفلاتي

وانوح نوح منوحاتٍ من الورق

لا شفت بعض اثيابج معلقاتي

هذا محل الضحك والمزح والقرق

وهذا محط المعطفه والعباتي

موتي حدث ماهو بذبحٍ ولا غرق

شهيد حب امواجج المرسلاتي

وقد أبدى عدد من الشعراء والمثقفين حزنهم الشديد على الفقيد الشاعر حجاب بن نحيت -رحمه الله-، في البداية تحدث الشاعر الدكتور صالح الشادي بقوله: (رحم الله الشاعر الكبير والمبدع العذب حجاب بن نحيت وغفر له وعفى عنه وأسكنه فسيح جناته وعظم الله أجر أسرته وعشيرته ومحبيه.. إن كان للأدب والفن الشعبي من لسان فقد كان لسانه، وإن كان للعذوبة من متحدث فقد كان الناطق باسمها.. أجيال تربت وترعرت وهي تنصت إلى إبداعه الذي شكل ذائقة خاصة، ورسم هوية حقيقية لمعنى التراث الشعبي المحلي وأصالته.. وبعيداً عن هذا وذاك حجاب الإنسان، وحجاب الرجل، وحجاب الخلق، والسجايا الطيبة.. من عرفه عن قرب، ومن سمع عنه عرف كم كان هذا الرجل نبيلاً ومعطاءً وكريم الذات.. هو سيرة وقصة ذات شجون ينبغي للتاريخ أن يدونها.. رحل عنا لكنه سيبقى علماً في ذاكرة الوطن وهامة في سجل التراث ورمزاً محبوباً قدم كل ما لديه لإسعادنا وإلهامنا.. واكتفي بهذا القول إذ إن الحديث قد يطول في حق قامة مثله.. ألف رحمة عليه، وأكرر العزاء وصادق المواساة للجميع على فقده. إنا لله وإنا إليه راجعون).

كما تحدث عن الفقيد الشاعر عناد المطيري بمشاعر مؤثرة: (كان رحمه الله تجربة شعرية وفنية اتسمت بالجرأة والابتكار، ذلك ما أكسبه شهرة واسعة في الخليج العربي عامة لعذوبة كلماته وملامستها للوجدان ومشاعر الحب، حجاب رحمه الله قصة كفاح فيما بعد).

فيما عبر الشاعر سليمان المانع عن مشاعره الحزينه على فقيد الشعر فقال: (رحم الله الشاعر حجاب بن نحيت أحد رواد الشعر الذين كان لهم دور مهم في ثقافة المجتمع شعراً وفناً.. وكان له بصمات شعرية خالدة، وأبو ناصر -الله يرحمه- رجل مواقف وبذل وعطاء، نسأل الله أن يتقبله ويغفر له ويسكنه فسيح جناته وكل العزاء لأسرته ومحبيه).

د. صالح الشادي
سليمان المانع