رغم انتشار الكتاب الإلكتروني لم أسمع أن أحداً يقول إن الكتاب الورقي يصارع وجوده مثلما نسمع عن الصحف الورقية بعد منافسة الصحف الإلكترونية والسوشل ميديا. ما زال الكتاب والمؤلفون الجدد يبحثون عن ناشري الكتاب الورقي وما زالت معارض الكتب تمتلئ بالرواد والمشترين وما زالت تجارة الكتب العالمية على حالها (على حد علمي).

رغم القرصنة والنشر على النت وارتفاع أسعار الكتب وإمكانية حصول القارئ على كثير من الكتب بالصيغة الإلكترونية مجاناً رغم كل هذا لم ينحصر الكتاب الورقي، كل ما يمكن قوله إن المكتبات التجارية التقليدية طفقت تُخلي أرففها لمصلحة المبيعات على النت.

يترافق الحديث عن التأليف والكتابة مع الحديث عن حرية الرأي، يعزو كثير من الناس انحسار الطلب على الصحف الورقية إلى أسباب متعددة من بينها حرية الرأي، نسمع من يقول إن احتكار الصحف الورقية للرأي قاد إلى هزيمتها أمام الصحف الإلكترونية التي تتيح الفرصة للآراء المتعددة، يثير هذا الرأي سؤالاً: لماذا لم يحدث هذا مع الكتاب؟ عدد ناشري الكتاب الورقي محدود والناشر العربي رهينة الرقابات في الدول التي يسوق منتجه فيها ومن النادر أن يجرؤ الناشر على نشر كتاب لا تتفق مادته مع الرقابة.

نشوة حرية الرأي التي طرب لها كثير من الناس مع بداية السوشل ميديا آخذة في الزوال بأسرع مما تصورنا، تطور التقنية وخصوصاً تقنية المراقبة والمتابعة وكشف أصحاب المعرفات المجهولة وتتابع صدور القوانين المنظمة للنشر على السوشل ميديا وقسوتها دفعت حرية الرأي في السوشل ميديا إلى الهبوط السريع لتقترب من مستوى الرأي فيما ينشر على صفحات الجرائد، يبقى الفرق بين الصحف الورقية والإلكترونية في الكتابة الاحترافية التي تشترطها معظم الصحف الورقية في مقابل ما ينشره الهواة على النت مغموراً بالمواد التافهة التي تمتلئ بها السوشل ميديا.

تماسك الكتاب الورقي وصموده أمام الكتاب الإلكتروني يعود في ظني إلى أن تأليف الكتاب عمل جاد حتى وإن امتلأت المكتبات أو النت بكتب يتهمها البعض بالتافهة، من يؤلف كتاباً إلكترونياً أو ورقياً يحتاج إلى وقت وجهد لحشد كمية الكلام التي ترشح منتجه ليأخذ اسم كتاب عند نشره ومقابل هذا الجهد ينتظر مكافأة، وهذا ما يغيب تماماً عن نشر الرأي في وسائط التواصل الاجتماعي، بانتباه قليل سنلاحظ أن الرأي المنفلت والجامح في تويتر انحسر كثيراً، معظم الكتابات المتوفرة فيه مؤخراً اما شتائم عامة لا تثير القانون، أو تطبيل، أو إخوانيات لا تلفت نظر أحد، أو أخبار لا يعتد بها، أو تسالٍ.. أما الرأي الجاد فقد عاد إلى عقاله.