لقد ذكرت في مقال سابق أن حكومة المملكة لا تألو جهداً في توفير الأمن بأنواعه كافة لحجاج بيت الله الحرام، وأن أهم أنواع الأمن هو الأمن الفكري الذي يجعل الحاج مهما كانت جنسيته وطائفته وكان أصله ولونه في مأمن من التجاذبات الدينية والسياسية؛ بحيث يأتي إلى هذه الأرض المباركة ليؤدي فريضة الحج بعيداً عن الابتزاز والمساومة، التي قد يتعرض لها لو كان الحج في دولة غير المملكة. وهذا لعمري نعمة كبيرة أنعم الله بها على زوار بيته العتيق من منطلق دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى «رب اجعل هذا البلد آمناً».

ولعل أنصع صور هذا الأمن الفكري خطبة عرفة لهذا العالم التي ألقاها إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف الدكتور حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ من مسجد نمرة، فالحجاج القادمون من شتى أصقاع الأرض قد بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الوصول إلى مكة المكرمة سواء كان من الناحية المادية أو الجسدية أو النفسية، وهم هنا بحاجة إلى سماع ما يعلمهم أمور حجهم، وما يخلق فيهم الأمن والطمأنينة، وما يقربهم إلى الله أكثر، وإلى بعضهم البعض، وإلى ولاة أمورهم، وليسوا بحاجة إلى سماع ما يفرقهم. وهذا ما نجح فيه الشيخ حسين آل الشيخ بامتياز، حيث ثم تناول موضوع التوحيد الذي يعتبر على درجة كبيرة من الأهمية، لينتقل بعد ذلك إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما أحدثته من أثر ديني في نقل العرب من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام. وبعد ذلك، تناول الشيخ الفاضل أركان الإسلام وصولاً إلى الركن الخامس، وهو حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وهنا أصبح في تماس مباشر مع أكبر تجمع إنساني تشهده أي دولة من دول العالم.

وقد تحدث عن حج المصطفى صلى الله عليه وسلم خطوة بخطوة لكي يكون المسلمون على بينة حول مناسك حجهم، لتأتي بعد ذلك أهم وصية تركها لنا النبي، وهي «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». وهذا أشد ما كان الحجاج بحاجة إلى سماعه في وقت اشتدت فيه الفتن وكثر القتل والإرهاب.

ثم تناول خطيب عرفة أهمية الوفاء بالعهود والعقود، وبر الوالدين، وحسن العلاقة مع الجار، وأهمية رباط الزوجية وما ينطوي عليه من بر وإحسان بين الزوجين. ثم تأتي بعد ذلك أهمية مكافأة من أحسن للمشاعر المقدسة وزوارها، وهو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين -حفظهما الله -، ومكافأتهما هنا تتمثل في الدعاء لهما. وهذا استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: «... ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه».

إن هذه الرحلة الأخلاقية بالحجاج عبر التاريخ منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا هي ما يحتاجه الحجاج بعيداً عن إدخالهم في نفق الخلافات السياسية، والصراعات الطائفية؛ وهو «الأمن الفكري» الذي يجعل الحاج يؤدي نسكه في جو من الأمن والطمأنينة، وحب الآخر.