المختصون بإدارة الأزمات وإدارة الكوارث يؤكدون أن إدارة مواسم الحج والعمرة هي أصعب مهنة أمنية ربما في العالم؛ يجتمع في بقعة صغيرة أكثر من ثلاثة ملايين إنسان في الحج ما بين حجاج وقائمين على خدمة أولئك الحجاج، كما يجتمع في رمضان وبمكة وحدها أكثر من مليوني إنسان في مواسم العمرة. ومع ذلك يتجدد للمملكة موعد في كل عام بنجاح موسم الحج بامتياز واقتدار لا يُضاهى! فالتحدي الأمني لوحده الذي يصاحب موسم الحج ليس سهلاً ولا تواجهه أي دولة في العالم، البقع الصغيرة التي تجتمع فيها الملايين أن تضبط أمنياً، وتُشعر كل من فيها بالأمن ليمارسوا شعائرهم ومناسكهم بطمأنينة وسكينة هذا أمر ليس بالسهل أبداً، فضلاً عن الاقتدار والتحدي التنظيمي والإداري والصحي، والقائمة تطول.

أذكر في إشارة سابقة إبان دراستي الجامعية وفي معرض تناولنا لأحد المقررات في علم إدارة الكوارث والأزمات الدهشة التي كان ينقلها لنا الأستاذ الجامعي، وأنّه لا توجد حتى الآن في العالم تجربة لأي دولة تحاكي تجربة المملكة، وتعد أنموذجاً متفرداً تطلبه عدد من جامعات دول العالم - كتجربة المملكة في إدارة موسم الحج - كي تدرسه لطلبتها! وهو بلا شك النجاحات المتوالية لمواسم الحج يتجاوز الأمر فيه باعتباره مجرّد إنجازٍ تنمويٍّ إلى تجربة رائدة عالمياً في علم إدارة الأزمات استحقت البحث والدراسة قد أذهلت العالم!

وحينما نذكّر بذلك فليست المملكة بحاجة ولا تنتظر جزاءً أو شكوراً بقدر التنويه إلى أنّ المملكة لا تستهدف من إنجازاتها إغاظة أحد، حتى وإن شعر تنظيم الحمدين ومن يدور في فلكه كالنظام الإيراني بالانكسار من هذا الإنجاز التنظيمي الكبير ممن لم يتوّرعوا حتى عن استغلال عبادات المسلمين، وتأدية فرائضهم أو حرمة المشاعر المقدسة لأغراضهم السياسية.

عاشت المملكة وعشنا معها وعاش معنا أكثر من مليار مسلم أيام عشر ذي الحجة المباركة، وأدّى نحو «2,371,675» حاجاً وحاجة، - صدرت لهم «1,720,680» تأشيرة حج، شملت 165 جنسية، 91 % منهم أجانب، و9 % منهم سعوديون - فريضتهم بيسر وأمن وطمأنينة وأمان في بلد شرّفه الله تعالى بخدمة البيتين وقاصديهما من ضيوف الرحمن. وما أشارت الأرقام إليه من استفادة 103 آلاف حاج من مبادرة طريق مكة، و5400 من ضيوف خادم الحرمين الشريفين، وبيّنت وجود أكثر من 287 ألف موظف وموظفة لخدمة الحجاج، و19 جهة حكومية، وتوفير 136 خدمة عامة، كما تم توفير 180 مستشفى ومركزاً صحياً لخدمة الحجاج، و16 ألف برج اتصالات، وأكثر من 3 آلاف نقطة وصول «wifi».

فجميع إمكانات المملكة الإدارية وقواها الأمنية مسخرة لخدمة بيتي الله وقاصديهما وما عُهد عن المملكة إلا أنها تعمل على مدى أحد عشر شهراً من أجل هذه الأيام التي يأتي فيها الحجاج جميعهم دون استثناء أو تمييز فيؤدون مناسكهم بكل اطمئنان وسكينة وأمن وراحة حتى صار نجاح كل موسم من مواسم الحج والعمرة بفضل من الله وتوفيقه لهذه البلاد وقيادتها أيقونة عالمية.